في رحلة جديدة داخل أعمق أسرار الكون، هنكشف واحدة من أهم ألغاز الفيزياء الحديثة: المادة الباريونية المفقودة!
من زمان العلماء عارفين إن في نصف المادة العادية في الكون مش لاقيينها… لا في النجوم ولا المجرات ولا السحب الكونية.
لكن في نوفمبر 2024، دراسة علمية قلبت موازين الفهم الكوني، وأعلنت عن اكتشاف جزء كبير من المادة اللي كانت متخبية بين المجرات في صورة غاز ساخن وبلازما!
في المقال ده هنفهم:
- يعني إيه مادة باريونية؟ وليه نصها كان مفقود؟
- إزاي العلماء اكتشفوا مكانها بعد كل السنين دي؟
- علاقة الاكتشاف ده بالمادة المظلمة والطاقة المظلمة
- إزاي ده بيدعم نموذج الانفجار العظيم ويثبت دقة العلم؟
- وهل ده يعتبر خطوة حقيقية نحو كشف لغز الـ 95% الغامضين من الكون؟
لو انت من عشاق الفضاء والفيزياء الكونية، المقال ده هيفتحلك باب جديد لفهم بداية الكون ومستقبله 🔭✨
🤯 لغز الـ 95%: المادة المظلمة والمادة العادية المفقودة
إنهاردة يا صديقي أنا عايزك تستعد لرحلة فى أعماق الكون. هنكتشف فى الرحلة دى واحد من أعظم الألغاز اللى جننت العلماء سنين طويلة. خلينى ألخصلك الحكاية:
في الغالب انت سمعت عن مشكلة عدم العثور على المادة المظلمة والطاقة المظلمة. وحتى لو ما سمعتش فالموضوع بإختصار إن المادة فى الكون بتنقسم لنوعين أساسيين: المادة العادية والمادة المظلمة.
المادة العادية هى أى مادة تعرفها، من أول الشاشة اللى بتبص عليها دلوقتى ولحد الكواكب والنجوم والمجرات. أما المادة المظلمة نفسها فبتنقسم لحاجتين أو لوظيفتين: المادة المظلمة والطاقة المظلمة.
والمادة المظلمة والطاقة المظلمة دول عبارة عن حاجات بنحس بأثرها من غير ما نقدر نرصدها. بس الغريب ان الاتنين دول بيشكلوا مع بعض 95.1٪ من المحتوى الكلي للكون، فى حين إن المادة العادية بيقتصر وجودها بس على 4.9 % من كتلة الكون.
المشكلة الأكبر كمان إن حتى الـ 4.9 % بتوع المادة العادية برضه العلماء مقدروش يرصدوهم كلهم. يعنى الموقف دلوقتى إن العلماء مش قادرين يلاقوا المادة المظلمة كلها، وكمان مش قادرين يلاقوا نص المادة العادية.
بس الكلام ده بقى يبدو إنه اتغير أخيرا بداية من شهر نوفمبر 2024. ففى الوقت ده أعلن العلماء عن إكتشاف جزء كبير من المادة العادية المفقودة. والأهم كمان إن دى بتعتبر خطوة كبيرة فى رصد المادة المظلمة مستقبلا. ففى كل الاحوال مكانش فى فرصة إننا نلاقى المادة المظلمة من غير ما نلاقى نص المادة اللى نعرفها.
وانهاردة فى حلقتنا هنتكلم أكتر عن أهمية الكشف ده وتأثيره على الفيزيا الكونية، وهنعرف كمان إزاى نجح العلماء إنهم يلاقوا القدر ده من المادة العادية اللى كان مستخبى.
❓ مشكلة الباريونات المفقودة (The Missing Baryons)
الاسم العلمى للمادة العادية يا صديقى هو المادة الباريونية (Baryonic Matter). وزى ما انت عارف هى دى المادة اللى بتشكل كل حاجه نعرفها.
أما بالنسبة لكلمة الباريونية دى فخلينى أقولك جت منين. إحنا عندنا فى فيزيا الجسيمات تصنيفات مختلفة لكل انواع الجسيمات الذرية، وكل تصنيف من دول بيشتمل على عدد من الجسيمات اللى ليها خصائص متشابهة. من التصنيفات دى بقى إحنا عندنا حاجه اسمها الباريونات (Baryons).
والباريونات دى ببساطة بتعبر عن البروتونات والنيترونات . والجسيمين دول متشابهين فى خصائص كتير: منها مثلا انهم موجودين مع بعض جوه النواة، ومنها ان الاتنين بيتكونوا من 3 كواركات وبيتفاعلوا مع القوة النووية القوية. والأهم من كل ده إنهم الاتنين من الجسيمات التقيلة. فلك أن تتخيل إن البروتونات والنيترونات بيشكلوا مع بعض 99.9٪ من كتلة الذرة. ولذلك العلماء بيطلقوا على المادة العادية جملة المادة الباريونية. وده لانها مكونة فى اغلبها من الباريونات اللى همه البروتونات والنيترونات. أما كلمة الباريونات نفسها فهى كلمة يونانية الاصل ومعناها فعلا الحاجة التقيلة. بس طبعا لازم تاخد بالك من النسبية لما اتكلم عن حاجات تقيلة فى الذرة اللى هى اصلا مبتتشافش، فالبروتونات والنيترونات تقيلة بالمقارنة مع حاجه زى الالكترونات او الكواركات.
المهم بقى فى القصة دى كلها إن المادة الباريونية نصها كان مفقود. فلما العلماء حسبوا كمية المادة العادية المفروض وجودها في الكون بالرياضيات، لقوها بتزيد بنسبة 50 % عن كمية المادة اللى اتلقت فعلا بالرصد الفيزيائى الحقيقى. ومن هنا بدأت مشكلة الباريونات المفقودة.
🔍 إزاى اكتشفوا النقص أصلا؟ (إشعاع الخلفية الكونية)
غالبا حد من الاصدقاء بيسأل دلوقتى عن الطريقة اللى عرف بيها العلماء ان نص المادة العادية مفقود؟
الاجابة يا صديقى هم عرفوا عن طريق عملية طويلة لجمع المعلومات ومراقبة الكون من عشرات السنين. والموضوع احتاج للقياسات الدقيقة لكتلة المجرات وحساب نسبة الهيدروجين والهيليوم في الكون. بس الاهم بقى من كل ده كان هو الاستفادة من معلومات إشعاع الخلفية الكونية الميكروية اللى هو الـ Cosmic Microwave Background (CMB).
إشعاع الخلفية الكونية الميكروى ده بالنسبة لعلماء الفضاء زى بالظبط الكربون المشع عند علماء البيولوجى والجيولوجيا. شوف يا صديقى، إشعاع الخلفية الكونية الميكروي هو الضوء الاول اللى انتشر فى الكون بعد حوالي 380 ألف سنة من الظلام الحالك. فبعد الانفجار العظيم ولمدة 380 الف سنة، درجات الحرارة المرعبة والكثافة المتناهية كانوا همه اللى بيميزوا الكون. ونتيجة لكده فوتونات الضوء كانت محبوسة ومش قادرة تتحرك. لكن أول ما الكون برد شوية، اتحرر الضوء وسافر من وقتها لحد ما وصل لنا. يعنى بصورة تانية ضوء الخلفية الكونية الميكروي هو اقدم ضوء ممكن رصده على الاطلاق. والأهم من كده إن الضوء ده عبارة عن إشعاع مليان بالمعلومات عن الكون فى بداية نشأته.
ومن خلال دراسة المعلومات دى، قدر العلماء انهم يحددوا النسب الدقيقة للمادة والطاقة في الكون. بس هنا بقى بدأت المشكلة، فالحسابات الرياضية بتقول إنه لازم يكون موجود كمية معينة من المادة الباريونية، لكن الرصد الحقيقى مش موضح مكان الكمية دى. بس بالمنطق طبعا العلماء كانوا متأكدين انها موجودة ومش عارفين يرصدوها. وكانوا بيرجحوا إنها منتشرة فى الكون كله مش بس جوه المجرات. وكانوا برضه شبه متأكدين إنها مادة صغيرة مش فى حجم النجوم والمجرات، فطبعا كل ما الحاجه تصغر فى الكون المترامى بيبقى صعب رصدها.
ولذلك الفرضية المرجحة اللى كانت عند العلماء بتسمى فرضية الغاز الساخن بين المجرات، فرضية الـ Warm–Hot Intergalactic Medium (WHIM) أو إختصارا فرضية الـ WHIM. يعنى العلماء كانوا بيتوقعوا إن المادة المفقودة دى غالبا هتكون على شكل مركبات غازية أو جزيئات أو ذرات أو حتى جسيمات.
وبالفعل مع تطور الأبحاث من اوائل القرن الواحد وعشرين، أعلن فريق من العلماء فى سنة 2020 انهم استخدموا بيانات من تلسكوب بلانك وقدروا عن طريقها انهم يتوقعوا وجود كبير للمادة الباريونية فى وسط دافئ بين المجرات. أما في شهر نوفمبر سنة 2024، فتم الإعلان عن دراسة بتكشف عن العثور على 20 % من المادة الباريونية المفقودة. وقالت الدراسة إن الـ 20 % دول كانوا عبارة عن غاز سخن زى حالة البلازما، وقالت الدراسة إن الغاز ده أغلبه طبعا هيكون هيدروجين منتشر بين المجرات. بس اللى أكدت عليه الدراسة إن الغاز ده بيتم فقط رصده بـالأشعة السينية (X-rays) والأشعة فوق البنفسجية (UV).
غالبا انت يا صديقى لاحظت إنى قلت اللى العلماء لقوه كان مجرد 20 % من المادة الباريونية المفقودة، والمقصود إن العلماء لقوا 20 % بس من الـ 50 % اللى كانوا مفقودين. يعنى لسه برضه فى كمية مادة باريونية مفقودة، بس طبعا الموضوع كده خلاص اتفهم واتعرف ان العثور على الباقى مجرد وقت، بشرط طبعا إن السلاح يكون هو التقنيات المتقدمة لرصد الأشعة السينية والاشعة فوق البنفسجية.
📈 أهمية الاكتشاف: مفتاح المادة المظلمة (Dark Matter)
من الممكن إن واحد يقولى طب يا عمدة إيه الفايدة من الاكتشاف؟ أو يعنى إيه الفايدة من إكتشاف مادة يادوب بتعمل 5 % بينما الـ 95 % مازالوا مفقودين؟
الاجابة يا صديقى هتبدأ الاول بسؤالك عن هل تابعت معايا سلسلة فلسفة العلم ولا لا؟ فى السلسلة دى انا اتكلمت عن فكرة تراكمية العلم اللى بتوضح الاجابة.
عموما يا صديقى هقولك تانى إن علومنا كلها مبنية على معلومات بتصلح نفسها وبتكبر مع الوقت، معلومات بتظهر وبتقودنا لمعلومات جديدة. وبعدين المعلومة اللى كانت عندنا ان المادة الباريونية لازم تكون حوالى 5 %، وكنا متأكدين إن حسابتنا صح وبنقول ان المشكلة بس فى عدم رصدها، فلما نكتشفها يبقى ده أكيد انتصار للعلم و تأكيد للنماذج الرياضية بتاعتنا. فالاكتشاف ده بيعزز الثقة في علومنا وبيقولنا إن العلم ماشي صح.
وبعدين بقى من اهم فوايد اكتشاف نص المادة دى انها ممكن تكون هى مفتاح العثور على المادة المظلمة. وده لأن توزيع المادة العادية (الباريونية) بيتأثر بتوزيع المادة المظلمة. فلما نكون عارفين اماكن المادة العادية موجودة فين بالضبط، ده هيخلينا نرسم خريطة أدق للأماكن المحتملة لتجمعات المادة المظلمة.
كمان زى ما قلتلك إن المادة العادية اللى كانت مفقودة دى لقينا جزء كبير منها فى حالة البلازما، وده برضه هيكون ليه تأثير مباشر على فهم التفاعلات عالية الطاقة وعلى فيزيا البلازما كلها. كمان معرفة مكان المادة المفقودة في مناطق معينة بالتأكيد هيساعد فى الكشف عن الكيفية اللي حصل بيها توزيع المجرات. فالمادة العادية بتتحرك تحت تأثير الجاذبية، والجاذبية هى اللى بتتحكم في تكوين المجرات والعناقيد المجرية. ده غير بقى إن العثورعلى المادة المفقودة دى هيحللنا أى ألغاز متعلقة بسلوك المجرات. لأن المادة العادية بتؤثر على حركة المجرات وسرعتها. يعني لو مثلًا في مجرات ماشية في وسط خيوط غازية كثيفة من المادة العادية، فـ ده ممكن يبطّأها أو يغيّر شكلها أو حتى يأثر على الكيفية اللى بتشكل النجوم فيها. فلو كنا بنرصد سلوك غريب لبعض المجرات من غير الكشف عن المادة المفقودة، بالتأكيد ده كان هيدخلنا فى افتراضات كتير وحيرة أكبر.
اخيرا بقى من فوايد الاكتشاف ده هو إعادة ضبط نموذج الانفجار العظيم. فالمادة العادية مش بس أداة لبناء النجوم والكواكب والبشر، لكنها كمان مفتاح لفهم لحظات الكون الأولى بعد الانفجار العظيم. ففي اللحظات الأولى بعد الانفجار العظيم، كان فيه توازن بين المادة والمادة المضادة. بس ساعتها حصل خلل بسيط (إحنا مش عارفين أسبابه بالضبط)، والخلل الغامض ده خلّى المادة العادية تكسب المعركة وتفوز بالبقاء. فلو عرفنا بقى فين راح نص المادة العادية وازاى اتوزع بالظبط؟ وعرفنا كمان ليه هو اختار حالة البلازما؟ فده ممكن يساعدنا في توقع الاجابة وتعديل نموذج الانفجار العظيم.
يعني الخلاصة إن اكتشاف نص المادة العادية المفقودة على قلتها فى الكون هو اكتشاف بيفتح لنا باب لفهم أدق لقصة الكون من أول لحظة و لحد النهاردة. بل اننا ممكن نقول فايدة إضافية للإكتشاف ده ونسميها فايدة فتح الحصالة! فالشوية اللى تم اكتشافهم دول من المادة الباريونية كانوا كافيين انهم يسخنوا الدنيا ويخلوا المؤسسات والوكالات تحل الكيس. فبالفعل بدأ التخطيط لمهمات فضائية فى المستقبل وتحديدا سنة 2030، زى مثلا مهمات (HUBS) ومهمة Athena. Hot Universe Baryon Surveyor (HUBS) واللى تقرر انهم يكونوا أول مهمات خاصة لرصد سحب الغاز المتأين بين المجرات. يعنى باختصار هى دى الطريقة اللى بيشتغل بيها البحث العلمى وبيتم اعتماد الميزانيات على أساسها. متفتكرش يا صديقى ان اى حد تطأ فى دماغه فكره بيتوافقله على طول على رصد ميزانية مفتوحة. لازم يكون الاول فى دراسات واثباتات رياضية ويليها الرصد الفيزيائى. ولذلك فالكشف ده نقدر نقول إنه استخرج تصاريح البناء وخلى الوكالات تحل الكيس. ولاشك أنه مع التقدم في تقنيات الرصد ممكن نحل مشاكل أكتر مكانتش أصلا فى الحسبان.
🔮 توقعات مستقبل النماذج الكونية
ياترى انتوا ايه توقعاتكوا بالنسبة للنماذج الكونية للعلماء؟ هل فعلا النماذج دى بتثبت رجليها يوم بعد يوم بسيل الاكتشافات الفضائية؟ ولا ممكن تحصل المفاجأة ويتضح للعلماء إنهم كانوا عايشين فى وهم كبير ونماذجهم الكونية كلها غلط؟







