هل كنت تتخيل إن خيوط العنكبوت اللي بنشوفها على الحيطان، واللي أغلبنا بيعتبرها علامة على قلة النظافة،
هي في الحقيقة أجود وأقوى أنواع الحرير الطبيعي في العالم؟
العلماء اكتشفوا إن بعض أنواع العناكب بتنتج خيوط أقوى من الفولاذ بخمس مرات،
وأكتر مرونة من الكيفلار – المادة اللي بتتصنع منها السترات الواقية من الرصاص!
في المقال ده من سلسلة العلم بالملعقة، بنغوص في عالم العناكب الغامض:
إزاي بتحول العناكب البروتينات داخل جسمها لخيوط خارقة القوة؟
ليه خيط العنكبوت بيمتلك مزيج غريب من المرونة والتحمل والخفة؟
وليه رغم كل المميزات دي، مش قادرين ننتج حرير العنكبوت تجاريًا؟
هتعرف كمان عن تجربة مدغشقر المجنونة، اللي جمعت حرير أكتر من مليون عنكبوت لصناعة قطعة قماش ذهبية واحدة فقط،
وكيف بقت القطعة دي نادرة لدرجة إن المتاحف العالمية بتتنافس علشان تأجرها!
اللي بنرميه كل يوم على إنه “تراب وخيوط”،
هو في الحقيقة كنز بيولوجي بيحلم العلماء إنهم يستنسخوه من أجل مستقبل الطب والهندسة الحيوية.
💪 الفولاذ البيولوجي: لماذا خيط العنكبوت أقوى 5 مرات من الفولاذ؟
عادة ما بتبقى خيوط العنكبوت اللى بتظهر على الحيطان من أشهر أعداء ربات البيوت، وده لأنه بيتم إعتبارها علامة على التقصير فى عملية النضافة.
لكن المفارقة الغريبة هنا إن الموضوع فى حقيقته على العكس تماماً! فخيوط العنكبوت دى الأصل فيها انها أبعد ما يكون عن قلة النضافة، بل انها بتعتبر أجود أنواع الحرير بلا أى منافس! ولو كانت النوعية دى من الحرير متوفرة فى الأسواق، كانت هتبقى أفضل وأغلى وأقوى أنواع الحرير الطبيعى على الإطلاق.
ده غير إن الموضوع له أبعاد إضافية جننت العلماء! فبعض أنواع العناكب بتنتج خيوط أقوى وبمراحل من الصلب والكيفلار. الكيفلار هو المادة اللى بيتصنع منها السترات الواقية من الرصاص.
طبعاً هنا بيظهر شوية أسئلة بديهية:
أولاً هو إزاى خيط العنكبوت اللى يبان انه ضعيف جداً يبقى أقوى من الفولاذ وكمان بمراحل؟ إزاى حاجة زى دى قاسوها واتأكدوا منها أصلاً؟
ثانياً بقى لو كانت خيوط العنكبوت هى أجود أنواع الحرير الطبيعى زى ما بيقولوا، طيب ليه مش بيتم الاستفادة منها تجارياً؟ ليه مش بنجمع الخيوط دى ونعمل منها الأقمشة والملابس؟ هل صعب يعنى اننا نجمع الخيوط اللى بيغزلها العناكب فى كل لحظة وكل مكان؟
🕸️ إيه هو خيط العنكبوت؟ (تركيب البروتينات والوظيفة)
خيوط العنكبوت فى حقيقتها هى مجرد بروتينات، لكنها بتتحول فى أحشاء العناكب للخيوط اللى بتشوفها. تقدر تقول انها حاجة زى الشعر والضوافر عند الإنسان. فالشعر والضوافر برضه مجرد بروتين إسمه الكيراتين. بينما البروتين اللى بتعتمد عليه العناكب فى تصنيع الخيوط بيسمى الـ Spidroins. بس الفكرة ان الـ Spidroins ده اسم عيلة من البروتينات مش مجرد بروتين واحد.
والعناكب بيبقى عندها – حسب نوعها – من 6 الى 8 غدد، عبارة عن مصانع صغيرة اسمها غدد الغزل (silk glands). وكل غدة من دول بتنتج خيط بتركيب بروتيني مختلف. يعنى العنكبوت الواحد داخل أى فصيلة بيغزل أنواع مختلفة من الخيوط. وكل نوع بيبقى ليه وظيفة معينة. ده غير بقى ان أصلاً كل فصيلة من العناكب بتنتج نوع من الخيوط غير الفصيلة التانية، لكن اختلاف الخيوط بين الفصائل تقدر تقول عليه اختلاف فى الجودة مش فى الوظيفة.
فمثلاً كل العناكب من كل الفصائل بتغزل خيوط عشان تصطاد، انما مش كل الخيوط بتبقى بنفس المواصفات. فى خيوط بتبقى أمتن واكتر سمك، فى خيوط بتبقى مرنة أكتر، فى خيوط بتبقى مقاومة للمية.. وهكذا.
الخلاصة إن خيوط أى عنكبوت بتشوفه وبتفتكر ان كلها نوع واحد هى فى الحقيقة بتبقى أنواع مختلفة من الخيوط:
عندنا مثلاً خيط أو حرير بيسمى حرير الإلتقاط الحلزونى (spiral capture silk). وده بيفرزه العنكبوت مخصوص عشان يصطاد الحشرات اللى هو مش شايفها. يعنى حاجة كده زى كمين معمول لحد ما العنكبوت يرجع لبيته ويبص على المصيدة. ومن مواصفات الحرير ده إنه مرن جداً ومتغطى بطبقة لاصقة، لكنه مش أفضل الخيوط اللى بيفرزها العنكبوت لا فى الجودة ولا فى القوة والمقاومة.
وعندنا برضه نوع تانى من الخيوط بيسمى حرير التغليف (Wrapping silk). وده بقى مخصص للفريسة اللى العنكبوت شايفها. حاجة كده زى مسدس بيضرب بيه لشل حركة الفريسة. ومن مواصفات الخيط ده إنه متوسط القوة والليونة.
تالت مثال لأنواع الحرير اللى بينتجها العنكبوت هو حرير الإشارات (Signal thread). وده بيصممه العنكبوت عشان ينقله اهتزازات الشبكة. يعنى تقدر تقول هو كاميرا المراقبة اللى بتعرفه ان حد دخل البيت. ومن مواصفاته إنه أقل الأنواع فى الجودة والقوة، وده طبيعى لأنه مش مصمم أصلاً للتحمل.
انما لو خدنا النوع الرابع من الحرير اللى بيسمى حرير البطانة (Lining silk)، فده بيبقى قوى جداً لأن العنكبوت بيستعمله زى البطانة أو الحضانة لحماية البيض بتاعه.
إنما بقى أقوى أنواع الخيوط اللى بينتجها العنكبوت هى خيوط السحب أو الـ Dragline Silk. وده بيبقى ليه استخدامين عند العنكبوت: الاستخدام الأول هو بناء الإطار الرئيسى للشبكة، يعنى حاجة كده زى الأساسات الخرسانية وعواميد التسليح. أما الاستخدام التانى فهو استعماله زى حبل أمان أو الونش، فالعنكبوت بيتعلق منه وهو شايل الفريسة. والـ Dragline Silk ده هو أهم أنواع الحرير وأشهرها فى الدراسات العلمية، وده لأنه بيعتبر الأجود والأقوى بين كل الخيوط.
🔬 إزاى حرير العنكبوت أقوى من الفولاذ؟
الكلام اللى فات ده كله نقدر نطلع منه بالإجابة عن سؤال: إزاى خيط العنكبوت أقوى من الفولاذ؟ بس لازم الأول نظبط الكلام عشان تبقى الجملة سليمة علمياً.
شوف يا صديقى:
أولاً محدش قال إن خيط العنكبوت (أصلب) من الفولاذ! فخاصية الصلابة دى حاجة وخاصية القوة والتحمل دى حاجة تانيه خالص. وخلينى أقولك على مثال بسيط يقرب المعنى: أنت عارف عجلة العربية أو الموتوسيكل مثلاً؟ أى عجلة لأى حاجة بتبقى مكونة من مادتين: المادة الاولى هى الكاوتش والمطاط، والمادة التانية بتبقى قطعة من معدن قوى زى الحديد، اللى هو بيسموه الطوق أوالجنط. أنا عايزك بقى تتخيل إنك جبت شاكوش أو مطرقة كبيرة وهتخبط الجزئين بكل قوتك. فى الأول هتمسك المطرقة وتنزل بيها بكل قوتك على الكاوتش، وبعدين هتكرر نفس الخبطة بنفس القوة على الجنط الحديد. تفتكر مين اللى هيتأثر أكتر؟ الحديد ولا الكاوتش؟ بالتأكيد مفيش مقارنة.. أكيد الكاوتش هو اللى هيكسب. وده لأن الكاوتش عنده من المرونة اللى عن طريقها يقدر يمتص الضربة. بينما هيكون رد فعل الجنط قوى لدرجة إنه ممكن تتطاير ذرات الحديد منه، ده إذا ما كانش أصلاً هيطبق او حتى يتكسر لو ربنا مديك صحة. الخلاصة إنك تقدر تقول القوة ليها أكتر من معنى فى ذهننا، تقارب الذرات أو الصلابة واحدة من خصائص القوة، قوة الشد أو التحمل برضه من خصائص القوة. .. دى كده أول نقطة لازم ناخد بالنا منها.
تانى نقطة بقى إن مقارنة خيط العنكبوت بالفولاذ لازم تكون مقارنة عادلة. يعنى مينفعش تجيب حتة حديدة وتقارنها بخيط العنكبوت اللى على الحيطة. المقارنة الصحيحة هنا انك تجيب خيطين بنفس السمك: خيط من الفولاذ وخيط من العنكبوت. بس كمان لازم خيط العنكبوت يكون من الفصائل اللى بتتميز بالخيوط القوية، وكمان لازم يكون الخيط من نوع خيوط السحب الـ Dragline Silk. ساعتها تقدر تقول وأنت متطمن إن فعلاً خيط العنكبوت أمتن من الصلب. لأن خيط العنكبوت قوى جداً وكمان مرن جدًا.
الخيط ده عبارة عن مزيج غريب من القوة والمرونة والخفة فى وقت واحد. فعلى سبيل المثال الـ Dragline Silk بيملك قوة شد عالية جدًا بتوصل لـ 1.3 جيجا باسكال، بينما مش بتتجاوز بعض أنواع الفولاذ زى الفولاذ الكربونى قوة شد بتعادل 0.4 جيجا باسكال. بعض المصادر بتقول ان خيط العنكبوت بتوصل قوته لـ 5 أضعاف خيط الصلب ولـ 3 أضعاف خيط مادة الـ Kevlar. ده غير بقى قدرة الخيط ده على التعامل مع الجو و مستويات الرطوبة، على عكس معظم أنواع الصلب اللى بتصدى وتضعف قوتها من عوامل الجو. عشان كده العلماء بيطلقوا على خيط العنكبوت إسم “الفولاذ الحيوى” أو “الفولاذ البيولوجى“.
🚫 ليه مش بيتم الاستفادة منها تجاريا؟ (مشكلة التكاثر)
الحقيقة إن الاستفادة من خيط العنكبوت فى الصناعة هو حلم من أحلام العلماء، وهحكيلك كمان شوية على الحاجات اللى نفسهم يعملوها بيه. إنما هى المشكلة إزاى يلاقوه؟ أو إزاى يلاقوا الكمية المناسبة للاستخدام التجارى؟
فمشكلة العنكبوت انه كائن برى مينفعش فى التربية. يعنى على عكس دود القز اللى الناس والمصانع بتربيه، فالعنكبوت مفيش أصلاً طريقه سهلة للإحتفاظ بيه. أى تجمع من العناكب هيؤدى فوراً لحرب إبادة! وده لأنها كائنات غير اجتماعية. ومجرد وجود اتنين من العناكب فى حتة واحدة هتخليهم يفترسوا بعض. برضه على عكس دود القز اللى ممكن تحط آلاف منهم مع بعض فى صندوق واحد. بل ان معظم أنواع العنكبوت الأنثى فيهم بتقتل الذكر بعد التزاوج، والأولاد لما بيكبروا بيهاجموا بعض. يعنى بيت فى غاية الضعف والتفكك زى ما أشار القرآن الكريم:
وعشان كده حاول العلماء انهم ينتجوا خيوط العنكبوت دى عن طريق الإستعانه بـصديق! يعنى عن طريق كائن تانى غير العناكب. خلى بالك أنا بقول على العناكب كائن مش حشرة، لأن العناكب فعلاً مش حشرة لكنها طائفة لوحدها بتسمى العنكبيات. عموماً مش ده موضوعنا.
إحنا عايزين نفهم دلوقتى إزاى من الممكن انتاج الخيوط عن طريق الإستعانه بـصديق. الفكرة إن خيط العنكبوت زى ما قلنا هو مجرد بروتين. والبروتينات موجوده فى غدد كل الكائنات الحيه، يعنى ما هياش حاجة غريبة على الجسم. وبكده يبقى قدام العلماء حاجة من إتنين:
إما يدوروا على كائن حى بتنتج الغدد بتاعته بروتين الـ Spidroins.
أو إنهم ياخدوا جينات العنكبوت اللى بتنتج البروتين ده ويحقنوها فى كائن تانى.
والطريقتين دول فعلاً حاول فيهم العلماء على مدار عشرات السنين بدون فايدة. حاولوا إنهم يستعينوا بأنواع من البكتريا. وحاولوا الإستعانه بـماعز معدل وراثياً وبينتج نفس البروتين. وحاولوا إنهم يجربوا طرق كتير تخلى البروتينات تتحد مع بعض من غير نتيجة. والسبب إن تركيب وتسلسل الأحماض الأمينية معقد جدًا، ومفيش أسلوب نجح يخليها مرتبة بنفس الشكل.
وحتى المحاولات لإنتاج الخيوط صناعياً فشلت، أو بالكتير أنتجت خيوط أبعد ما يكون عن الجودة والقوة المطلوبة. فـالآلية اللى بتنتج بيها العناكب بتبدأ ببروتينات سائلة جوه غدد الغزل، وبعدين بيتم أمرار البروتينات السايلة دى فى قنوات الغزل، وفيها بيتم تغيير الرقم الهيدروجيني (pH) تدريجياً، وبيتم الدمج العجيب بين خصائص القوة والمرونة. فـالبروتينات بتصطف وتتشابك بأسلوب مذهل وعلى مستوى النانو، وكل ده بـأقل طاقة ممكنة. ولما حاولت المختبرات انها تعمل نفس التغيير التدريجي بدقة ميكروسكوبية، لقوا ان إنتاج الاصطفاف المثالي ده في بيئة صناعية من المستحيلات.
وكل المحاولات دى عشان زى ما قلنا ان إنتاج مادة شبيهة للخيوط دى بيعتبر حلم من الأحلام. لأن غير القيمة والقوة والجودة للحرير اللى هيتم تصنيعه، فخيوط العنكبوت لو توفرت هتدخل فى الإستخدامات الطبية وخاصة جراحات التجميل. والسبب فى كده إن خيط العنكبوت متوافق مع الجسم البشرى، يعنى مش بيتم إعتباره جسم غريب و مش بيثير الجهاز المناعى.
كمان من الإستخدامات اللى بيحلم بيها العلماء لو المعجزة حصلت، انهم يستخدموا خيوط العنكبوت فى ترقيع الجلد وصناعة العضلات. وموضوع العضلات ده سببه قدرة الخيط على التغير مع عوامل الجو و مستويات الرطوبة. فعن طريق العملية الهندسية اللى بتعرف بـعملية الإنقباض الفائق أو الـ (super contraction)، بيتم الإستفادة من حركة الخيط اللى بيشد ويرخى حسب درجة الحراره.
🧵 تجربة مدغشقر: القطعة الذهبية الوحيدة
من أطرف التجارب أوالمحاولات اللى قام بيها البعض لتجميع خيط العناكب، كانت المحاولة اللى قام بيها خبير النسيج البريطانى Simon Peers بالتعاون مع المصمم ورجل الأعمال الامريكى Nicholas Godley.
الاتنين دول قرروا انها يعملوا تجربة فريدة فى دولة مدغشقر الأفريقية. وكانت التجربة هى جمع الحرير من اكتر من مليون عقرب على مدار خمس سنين. وفعلاً بدأوا المهمة من سنة 2004 الى سنة 2009. واستمر الاتنين فى جمع خيوط العنكبوت وتخليصها من الحشرات الميته والفطريات وتطهيرها، عشان يكون عندهم فى النهاية حتة حرير بحجم $3.4 \times 1.2 \text{ متر}$. والقطعة فعلاً كانت رائعة من حيث الجمال واللون الذهبى المذهل.
إنما طبعاً التكلفة والجهد خلوا العملية غير قابلة للتكرار تجاريًا. لكن فى النهاية هم انتجوا قطعة حرير العنكبوت الوحيدة فى العالم. ولذلك كانت المتاحف بتجرى وراهم لشراء القطعة. وفى النهاية وصلوا انهم حرفياً يأجروا القطعة للمتاحف بالتناوب. ابتدى العرض في متحف التاريخ الطبيعي في نيويورك، وبعديه راحت القطعة لـالمتحف البريطاني.. وبعد جولة فى عدد من المتاحف العالمية، رجعت القطعة واستقرت فى المتحف البريطانى من غير ما حد يعرف اتفقوا على إيه.
فسبحان الله الحشرة الصغيرة اللى رؤية خيوطها بالنسبة لنا بيثير الإشمئزاز، وبيتم التخلص منها فى أسرع وقت، هى عند العلماء مجرد حلم بيراودهم، وعند رجال المال فرخة بتبيض دهب!
أخيراً سؤال المقال لأول مرة هيبقى للجنس اللطيف: لأنهم هم اللى بيلبسوا الحرير، يا ترى هتلبسوا عادى الأزياء اللى من منتجات العناكب؟ ولا ممكن تحسوا بالخوف أو الاشمئزاز؟







