تخيل ان الكون كله ممكن يكون بيدور بداخل ثقب أسود في كون تاني أكبر بكتير!..الكون الدوار و توتر هابل!

في المقال ده هنغوص مع بعض في واحدة من أعجب وأعمق الأفكار في علم الكونيات:

هل الكون نفسه بيلف حوالين محور ضخم؟ وهل ممكن نكون عايشين جوا كون دوّار بيأثر على الزمن والمكان وكل قوانين الفيزياء؟

من بداية أفكار الفلاسفة اليونانيين عن حركة الكون، مرورًا بنظرية النسبية العامة لأينشتاين، واكتشافات هابل عن توسع الكون، وصولًا إلى لغز توتر هابل اللي حيّر العلماء حول العالم…

هنستعرض أسرار الكون، تاريخ اكتشاف تمدده، وأحدث النظريات العلمية اللي بتقول إن الكون ممكن يكون بيدور!
بالإضافة لشرح نموذج جودل والدراسات الحديثة زي دراسة العالم إستفان سزابودي اللي بتعيد التفكير في طبيعة الكون وسر توسعه.

🌍 لا شيء ثابت: هل الكون كله يدور؟


تخيل إنك واقف لوحدك في قلب الصحراء. الليل ساكن، والهوا ساكت، والنجوم فوقك ثابتة كأنها مرسومة في السما.

تحس إن الكون كله واقف!

بس الحقيقة؟

ولا حاجة ثابتة.

كل شيء حواليك بيجري بسرعات خرافية، وإنت حتى مش حاسس. ومن أكتر من ألفين سنة، الفيلسوف اليوناني هيراقليطس الإفسوسي قال جملة بسيطة بس عبقرية: “بانتا ري“… وديه معناها باللغة اليونانية القديمة إن كل شيء بيتحرّك. واللي كان زمان مجرد فكرة فلسفية، ولكن العلم النهارده بيأكدها حرفيًا!

لإن الأرض بتلف حوالين نفسها كل يوم، والشمس بتكمل لفة كاملة حوالين نفسها كل 25 يوم أرضي، ومجرتنا درب التبانة بتلف لفه كامله حوالين مركزها كل 225 مليون سنة أرضية!

بس الغريب بقى؟

إن النهارده العلماء بيقولوا إن الكون كله ممكن يكون بيلف! تخيل إنك عايش جوا كيان ضخم بيدور مرة كل 500 مليار سنة! ومش بس كده، ده ممكن يكون كمان جوا ثقب أسود عملاق!

ولما العلماء ضافوا فكرة الدوران دي لنماذجهم، لقوا إنها بتحل واحدة من أعقد وأخطر المشاكل في علم الكونيات: لغز تمدد الكون واختلاف القياسات اللي مسبب صداع للفيزيائيين من سنين!

بس قبل ما نكمل ونفهم إزاي ده ممكن يغيّر كل حاجة عرفناها عن الكون.



🔭 نموذج علم الكونيات: من الثبات إلى لامدا-سي دي إم:


مين مننا مش مغرم بعلم الكونيات أو الكوزمولوجي؟ العلم اللي بيوصف الكون كله من بدايته لتطوره لتركبيه وطبيعته وصولا لمستقبله. بس لو إنت من محبي العلم ده فعلاً، فلازم تعرف إنه علم ليه جذور من زمان جداً، ولكن النموذج اللي بنشتغل بيه دلوقتي اتأسس في القرن العشرين.

قبل أكتر من مية سنة، وقت ما كان أغلب الناس والعلماء مقتنعين إن الكون ثابت ومش بيتغير، حتى ألبرت أينشتاين لما قدملنا نظريته الشهيرة “النسبية العامة” سنة 1915، كان شايف إن الكون لازم يكون ثابت، علشان كده حط حاجة اسمها “الثابت الكوني” في معادلاته عشان يثبت ده.

لكن الطبيعة كان ليها رأي تاني. ودا لإن في سنة 1927، عالم بلجيكي اسمه جورج لومتر اقترح فكرة إن الكون ممكن يكون بيتوسع. الفكرة دي لقت دعم قوي جداً لما إدوين هابل في 1929 أعلن اكتشافه إن المجرات كلها بتبتعد عن بعضها بسرعات مختلفة، يعني الكون فعلاً بيتوسع. المجرات دي كانت زي علامات على خريطة بتقول لنا إن الكون مش ثابت زي ما كنا فاكرين، بل بيتوسع زي البالونه اللي بتتنفخ. والاكتشاف ده كان نقطة تحول في علم الكونيات، وفتح الباب لفهم جديد للكون ككل.

وده كان دليل عملي على نظرية “الانفجار العظيم“، والنظرية دي أخذت دعم كبير بعد اكتشاف إشعاع الخلفية الكونية الميكروي (Cosmic Microwave Background Radiation – CMB) في 1965 عن طريق آرنو بنزياس وروبرت ويلسون، اللي كانوا بيستخدموا رادار لشركة الاتصالات. ووقتها بالصدفة لقوا إشعاع ضعيف جاي من كل الاتجاهات في السما، الإشعاع ده هو أثر بقايا الانفجار العظيم، وهو أشعة ضوء باقية من بداية الكون بعد حوالي 380 ألف سنة من الانفجار العظيم. اكتشاف الإشعاع ده كان تأكيد ضخم لنظرية الانفجار العظيم، وأكد إن الكون فعلاً كان نقطة ساخنة صغيرة وتوسع مع الوقت.

ومع الوقت، ظهر النموذج القياسي اللي العلماء بيشتغلوا بيه دلوقتي اسمه “لامدا-سي دي إم” (Lambda Cold Dark Matter Model)، واللي بيشرح تركيب الكون وتاريخه بشكل شامل.

  • لامدا ($\Lambda$): دي الطاقة المظلمة (Dark Energy)، وهي طاقة غير مرئية بتتوزع في الفضاء وبتتسبب في تسارع تمدد الكون. والطاقة المظلمة دي تم إكتشافها في أواخر التسعينيات، لما العلماء لاحظوا إن تمدد الكون مش بس مستمر، ده كمان بيتسارع.

  • سي دي إم (Cold Dark Matter): ف ديه معناها المادة المظلمة الباردة، ودي مادة مش بنشوفها أو نلمسها، لكن نقدر نحس بيها من خلال تأثيرها على حركة النجوم والمجرات. المادة دي بتشكل حوالي 27% من مكونات الكون، وبتأثر في تشكيل البنية الكبيرة للكون زي المجرات والعناقيد المجرية.

  • أما المادة العادية اللي إحنا عارفينها، زي النجوم والكواكب والناس وكل حاجة حوالينا، فهي حوالي 5% بس من الكون!

والنموذج ده حالياً بينجح في تفسير كتير من الظواهر اللي بنشوفها، زي توزيع المجرات، إشعاع الخلفية الكونية، وبيانات التلسكوبات الفضائية. ومن أهم العلماء اللي اشتغلوا على النموذج ده: ستيفن واينبرج، مايكل تورنر، وولفغانغ زينجر، وغيرهم كتير.



🤯 توتر هابل: أزمة القياس الكوني


وفي قلب النموذج الكوني القياسي، كان في حاجة واحدة، كنا فاكرين إننا فاهمينها كويس، وهي تمدد الكون. الرقم اللي نقدر نقيسه واللي إديناله مسمى ثابت هابل الكوني، والثابت ده من المفترض إنه يكون حجر أساس مستقر في معادلاتنا، قيمة واحدة بتُستخدم لفهم كل شيء من عمر الكون لغاية نهاية مصيره. ولكن مع الوقت، حصل شيء مريب… شيء بدأ كاختلاف بسيط في الأرقام، وانتهى لواحدة من أكبر الأزمات في علم الكونيات الحديث. العلماء أطلقوا عليه إسم: توتر هابل أو Hubble Tension.

القصة بدأت لما بدأنا نلاحظ إن الرقم اللي بنحسبه لثابت هابل مش دايمًا بيطلع نفس الشيء. وبيظهر أحيانا اختلافات، ومش مجرد إختلافات بسيطة، إنما اختلافات لدرجة تخلي أي فيزيائي كوني يقف ويقول: لحظة… في حاجة غلط بتحصل. واللي حصل إن القيم اللي طلعناها للثابت ده من مصادر مختلفة كانت بتتناقض مع بعضها بشكل لا يمكن تجاهله. مش مجرد فروق في الدقة، إنما فروق بتشير لفكرة إننا بنقرأ تاريخين مختلفين للكون. وكأننا بنشوف كونين متوازيين، كل واحد بيقول قصة غير عن التاني!

وده مكنش مجرد رقم مش متطابق، ده كان تحدي مباشر لفهمنا للزمن الكوني. بمعنى إن لو الرقم ده فعلاً مختلف، فيبقى إحنا ممكن نكون مخطئين في حساب عمر الكون كله. أو أسوأ من كده، دا ممكن يكون النموذج اللي بنستخدمه علشان نفسر نشأة وتطور الكون، ناقص أو حتى غير دقيق.

ووقتها توتر هابل ما بقاش مجرد لغز. ده بقى مؤشر على ثغرة في صميم الفيزياء الكونية. ومع كل محاولة لحله، بنكتشف إن المشكلة أعمق. كأن الكون نفسه بيهمس لنا: “انتوا لسه ما فهمتوش كل حاجة.” ومن هنا بدأ الصراع… هل المشكلة في الطريقة اللي بنحسب بيها؟ ولا في الفرضيات اللي بنبني عليها الحسابات؟ ولا في النموذج نفسه؟ أسئلة مفتوحة، واللي بيحاولوا يجاوبوا عليها مش بيلاقوا إجابة، لأن كل إجابة بتفتح باب لعشرات الأسئلة. والمخيف في الموضوع إننا مش متأكدين إذا كنا بنقترب من الحل… ولا من اكتشاف جديد هيقلب الطاولة تمامًا على كل اللي عرفناه عن الكون.



🔭 طرق رصد ثابت هابل (النظر للماضي CMBR)


ولو كنت بتسأل إزاي بدأنا نلاحظ التوتر ده؟ ومنين جت القيم المختلفة؟

فالإجابة هنا هتكون اننا عرفنا بطريقتين. أولهم هي عن طريق إشعاع الخلفية الكونية أو Cosmic Microwave Background – CMB. والتقنية دي مش جديدة، ده إحنا بنتكلم عن الضوء اللي فضل في الفضاء من أول لحظة الكون ما بدأ يبرد فيها بعد الانفجار العظيم، يعني من حوالي 13.8 مليار سنة! الإشعاع ده شبه صورة قديمة جدًا للكون وهو لسه طفل صغير، عمره حوالي 380 ألف سنة بس. وفيه تفاصيل دقيقة جدًا عن شكل وتوزيع المادة والطاقة وقتها. ولما العلماء درسوا الخريطة دي، اللي اتصورت بأجهزة فائقة الحساسية زي تلسكوب “بلانك” الفضائي، قدروا يقروا فيها البصمات الأولى للكون.

واللي حصل إنهم بدأوا يستخدموا البيانات دي في نماذج رياضية معقّدة، وخصوصًا النموذج الكوني اللي اسمه $\Lambda$CDM – اللي اتكلمنا عنه قبل كده. ومن خلال النموذج ده، قدروا يحسبوا القيم اللي توصلنا لثابت هابل. يعني ببساطة، هما ما قاسوش التمدد بشكل مباشر، لأ، هما شافوا إشارات في الماضي، وربطوها بمعادلات دقيقة عن تطور الكون، لحد ما وصلوا للرقم اللي المفروض يمثل سرعة التمدد الكوني دلوقتي. والطريقة دي مدهشة، وعلمية جدًا، بس المفاجأة كانت إن القيمة اللي طلعت من الحسابات دي كانت أقل من القيمة اللي اتقاست بطريقة تانية.



🕯️ طرق رصد ثابت هابل (الشموع القياسية)


وهنا ندخل على واحدة من أقدم وأبسط الطرق اللي الإنسان استخدمها علشان يفهم المسافات في الكون: طريقة الشموع القياسية.

الشموع القياسية مش شمع بجد، ده اسم بنطلقه على نجوم أو أجسام سماوية إحنا عارفين ضوءها الأصلي قد إيه. يعني زي ما تكون ماسك كشاف عارف قوته، فلو شوفته بينوّر بشكل خافت، تعرف إنه بعيد، ولو شوفته منوّر جدًا، تعرف إنه قريب. نفس الفكرة دي بالظبط العلماء بيستخدموها في الفضاء.

وأشهر الشموع القياسية اللي العلماء بيعتمدوا عليها هي نجوم اسمهم السيفايدات (Cepheids)، وكمان نوع من الانفجارات النجمية بنسميه المستعر الأعظم Type Ia. دول زي مساطر ضوئية، بنستخدمهم علشان نقيّس المسافات بيننا وبين المجرات.

ولو خدنا مثال، فهنلاقي إن العملية بتمشي كتالي: بنقيس المسافة لمجرة معينة باستخدام الشموع القياسية، وبعدين نقيس سرعة ابتعاد المجرة دي عننا من خلال انزياح الضوء بتاعها (اللي بنسميه Redshift). ومن العلاقة بين السرعة والمسافة، بنطلع رقم ثابت هابل.

بس هنا بقى، الرقم اللي طلع مختلف! وأعلى من القيمة اللي طلعناها من إشعاع الخلفية الكونية. وده اللي زوّد الحيرة. يعني إحنا بنبص على الكون “دلوقتي” ونقيس بعينينا، ونطلع بحاجة، وبنبص على الكون “زمان” من خلال الـCMB، ونطلع بحاجة تانية خالص!

وهنا بيكمّل توتر هابل لعبته: الماضي بيحكي قصة، والحاضر بيحكي قصة تانية، وإحنا واقفين في النص، مش عارفين نصدق مين! واللي مرعب أكتر؟ إن الطريقتين صح، وبدقة شديدة، بس مش متفقين. وده معناه إن في حاجة كبيرة ناقصة من الصورة، يمكن فيزيا جديدة، يمكن مفاهيم محتاجة تتراجع، ويمكن الكون نفسه عنده مفاجأة لسه ما اكتشفناهاش.



⏳ نظرية كورت جودل في الكون الدوار: سفر عبر الزمن؟


في وسط كل النظريات اللي بتحاول تشرح الكون، ظهر عالم رياضيات عبقري اسمه كورت جودل. الراجل ده معروف في الأساس في عالم الرياضيات والمنطق، بس في يوم من الأيام، قرر يوجّه عبقريته ناحية الكون نفسه…

وخرج لنا بحاجة مش أي حد يقدر يهضمها بسهولة: فرضية إن الكون بيدور!

آه زي ما سمعت كده… الكون بكل اللي فيه من مجرات ونجوم وكواكب وحتى الزمن نفسه، ممكن يكون بيلف حوالين نفسه! جودل ما كانش بيهزر، ده اشتق حل لمعادلات أينشتاين في النسبية العامة، وحلّه ده كان بيقول إنه ممكن يكون فيه كون كامل بيدور. والمثير بقى؟ إن الدوران ده مش بس بيأثر على المكان، لأ بيأثر كمان على الزمن.

في كون جودل، الزمن مش خط مستقيم ماشي لقدّام وخلاص، بل ممكن نظريًا تدور في الكون وترجع لنقطة في الماضي! يعني أكنه نوع من السفر عبر الزمن، بس مش بخيال الأفلام… ده فيزيا ورياضيات.

بس طبعًا، النظرية دي رغم إنها رياضيًا صحيحة، العلماء ما لقوش أي دليل عملي على إن كوننا فعلاً بيدور، ولا لقينا أي تأثيرات تدل على سفر عبر الزمن من النوع ده. لكن وجود النظرية نفسها بيقولنا حاجة مهمة: إحنا ممكن نكون لسه بعاد جدًا عن الفهم الكامل، وفي احتمالات مجنونة للي ممكن يكون عليه الكون، حتى لو ما قدرناش نثبتها دلوقتي.

وبعد كل اللي شُفناه من توتر هابل، ما بقاش فينا طاقة نرفض الأفكار الغريبة بسرعة، لإن يمكن واحدة منهم تطلع هي الحقيقة اللي مخبّيها الكون من زمان! فهل ممكن فعلاً يكون الزمن مش خط، والكون مش ساكن.. بل بيلف؟ وإحنا جواه… بندور من غير ما نحس؟

والأغرب من كده إن في كون جودل، الزمن مش بعد واحد زي ما إحنا متعودين… لأ ده فيه بُعدين زمنيين! هتقولي يعني إيه الكلام ده؟ بص يا صديقي، إحنا تعودنا دايمًا بنفكر إن عندنا 3 أبعاد للمكان (الطول، العرض، الارتفاع)، وبُعد رابع للزمن، اللي بيمشي في اتجاه واحد من الماضي للمستقبل. بس في حل جودل لمعادلات النسبية العامة، الوضع اتشقلب…

الزمن نفسه بقى ممكن يبقى ليه اتجاهين، زي ما يكون عندك شارع ليه مسارين! والسبب كان إن دوران الكون في حل جودل بيشوّه البنية الزمكانية بطريقة معقّدة، وبيخلي من الممكن نظريًا إنك تمشي في مسار مغلق وترجع لنقطة في الزمن كنت فيها قبل كده. وده معناه إن الزمن مش بُعد واحد، بل فيه درجة من الحرية أكتر. يعني بدل ما تمشي بس لقدّام، ممكن رياضيًا تروح يمين أو شمال في الزمن. وده هو اللي خلى بعض الفيزيائيين يقولوا: ان في كون جودل، فيه بُعدين زمنيين مش واحد، واحد فيهم بيمشي زي ما إحنا متعودين عليه، والتاني بيسمح بمسارات مغلقة زمنياً (Closed Timelike Curves)، وده اللي يخليك ترجع للماضي وتعيد نفس اللحظة مرة ورا مرة.

بس طبعًا، ده كله بيحصل في معادلات على ورق. إنما في الواقع، ما فيش أي دليل على إن فيه بُعدين زمنيين حوالينا، ولا لقينا أي مسار زمني بيرجعنا للماضي لحد دلوقتي. بس وجود الحل ده بيخلينا نسأل: هل الزمن فعلاً بسيط زي ما إحنا فاكرين؟ ولا هو أعقد بكتير والكون مخبّي أسراره في بُعد زمني تاني إحنا مش شايفينه بس موجود؟



🔄 تعديلات على نموذج جودل


ومع مرور الوقت، ومع إثارة نموذج جودل لجدل كبير في أوساط الفيزياء، بدأ علماء تانيين يدخلوا على الخط، علشان يحاولوا يفهموا أكتر أو حتى يطوروا الفكرة. ومن بين الأسماء البارزة دي، كان في العالم جوزيف سيلك (Joseph Silk) والعالم هيكمان (Mark Hickman)، وكمان العبقري المعروف ستيفن هوكينج (Stephen Hawking)، اللي حاولوا يحللوا فكرة الكون الدوّار بشكل أعمق في السنوات اللي بعد جودل.

وفي البداية كانت في مشاكل كتير بتواجه النموذج ده، خصوصًا من ناحية التوافق مع القوانين الفيزيائية المعروفة. والنسخ الأولى من نموذج الكون الدوّار كانت بتواجه صعوبات نظرية، زي مثلاً احتياجها لكثافة مادة معينة أو ظروف خاصة مش بتتوافق مع الملاحظات الكونية اللي بنشوفها. ولكن هوكينج كان دايمًا بيحاول يلاقي حدود للطبيعة علشان تمنع السفر عبر الزمن، وقدم فكرة اسمها الافتراض الكوني لحماية التسلسل الزمني (Chronology Protection Conjecture) واللي بتقول باختصار إن قوانين الفيزياء نفسها بتحمي الخط الزمني، وبتمنع أي حد من اللعب فيه.


🇷🇺 نموذج يوري أوبوخوف: الدوران الأقل تعقيداً

لكن رغم كل التحديات دي، العلماء ما وقفوش. وظهر اسم جديد في الساحة: يوري أوبوخوف (Yuri Obukhov) عالم روسي، اشتغل على إعادة صياغة النموذج، وطوّر نسخ جديدة من الكون الدوّار، بس بشكل أكتر استقرار وأقل مشاكل.

والنماذج اللي قدمها أوبوخوف كانت مذهلة في إنها بتخلّي فكرة الكون الدوّار واقعية أكتر، وبتتجنّب المشاكل النظرية اللي ظهرت في نموذج جودل القديم. وكمان اللي يلفت الانتباه أكتر، إن النماذج دي ما بتتعارضش مع الملاحظات الكونية اللي عندنا. يعني ممكن فعلاً يكون الكون فيه نوع من الدوران، لكن بشكل خفيف جدًا، لدرجة إننا نحتاج أدوات دقيقة جدًا علشان نرصده.



🌌 حلول أخرى غريبة: من النيوترونات إلى الفوتونات المظلمة


وبعد ما استعرضنا فكرة الكون الدوار ونماذج أوبوخوف اللي حاولت تحل مشاكل النموذج الأصلي، خلينا ننتقل بقى لفكرة بدائل تانية حاولت تفسر توتر هابل. وواحدة من البدائل ديه هي نظرية النيوترونات الضخمة (Massive Neutrinos)، الفكرة باختصار إن النيوترونات اللي هي الجسيمات الصغيرة اللي بتشارك في التفاعلات النووية ممكن يكون ليها كتلة أكبر من اللي كنا متوقعينها، وده بيأثر على تطور الكون وعلى كيفية تمدده. النيوترونات الضخمة دي ممكن تلعب دور في تركيب المادة المظلمة أو تأثر في سلوك توسع الكون.

وفي جانب تاني، ظهر مفهوم الأجسام الضخمة ضعيفة التفاعل (WIMPs – Weakly Interacting Massive Particles)، ودي جسيمات افتراضية بتُعتبر مرشح رئيسي للمادة المظلمة. المادة دي مش بتتفاعل مع الضوء، عشان كده مش بنشوفها، لكنها بتأثر بقوة في حركة النجوم والمجرات وبالتالي في بنية الكون. وكمان في نظرية تانية مثيرة للاهتمام وهي الفوتونات المظلمة (Dark Photons)، وهي جسيمات بتشبه الفوتون المعروف لكن بتتفاعل بشكل ضعيف جدًا مع المادة العادية، وبتُعتَبَر من المحاولات لشرح طبيعة المادة والطاقة المظلمة.

ولكن رغم إن كل النظريات البديلة دي حاولت تشرح الغموض اللي حوالين توسّع الكون، فضلت مشكلة توتر هابل واقفة كعلامة استفهام كبيرة جدًا في وشّ النموذج الكوني القياسي.



🔄 الدراسة الجديدة: سائل كوني دوّار وحل توتر هابل


ومن هنا… دخل اسم جديد على الساحة العلمية في سنة 2025، العالم “إستفان سزابودي” (István Szapudi)، أستاذ الفيزياء الفلكية في جامعة هاواي مانوا (University of Hawaiʻi at Mānoa)، اللي قرر يُعيد فتح ملف الكون الدوّار، بس من زاوية جديدة تمامًا!

سزابودي وفريقه نشروا دراسة جريئة جدًا في مجلة Monthly Notices of the Royal Astronomical Society: Letters، واقترحوا فيها: فكرة ماذا لو إن الكون فعلًا فيه دوران بسيط جدًا… دوران مش محسوس بسهولة، لكنه كافي علشان يفسّر الفرق بين القياسات؟

وبدل من استخدام نموذج جودل القديم اللي كان مليان مشاكل نظرية زي وجود بعدين زمنيين أو حلقات زمنية مغلقة (Closed Timelike Curves)، اعتمد الباحثين نموذج جديد وأكتر واقعية، بيستخدم مفهوم “سائل كوني دوّار” (Rotating Cosmic Fluid). والسائل ده بيمثل تأثير دوران هائل وممتد على مستوى الكون كله، وبيخلّي الفضاء نفسه يتأثر بحاجة اسمها “سحب الإطار” وديه نفس الظاهرة اللي بتحصل حوالين الأرض، بس على مستوى كوني.

وهنا كانت المفاجأة، لما الباحثين لقوا إن الدوران الكوني ده بيأثر على طريقة قياس معدل تمدد الكون من أماكن ومسافات مختلفة. يعني لو إحنا بنقيس من جوه الكون (من المجرات القريبة)، هنشوف ثابت هابل أعلى، لكن لما بنبص على الخلفية الكونية الميكروية اللي بتمثل الكون وقت كان عمره 380 ألف سنة بنلاقي ثابت هابل أقل. وبإضافة مقدار بسيط من الدوران للنموذج، قدروا يوحّدوا القيمتين دي بشكل متسق ومترابط.

ومعدل الدوران اللي توصلوا ليه كان حوالي $3.5 \text{ راديان} / \text{مليار سنة}$، يعني الكون بيكمل لفة واحدة حوالين محوره كل 500 مليار سنة تقريبًا! وده يعتبر دوران بطيييييء جدًا، لدرجة إننا صعب نرصده مباشرة، لكنه كافي علشان يغيّر في طريقة توسع الفضاء ويشرح الفجوة المحيرة في قياسات هابل. ولإن الفكرة دي فريدة وجديدة، انتشرت بسرعة في الأوساط العلمية. صحف زي Science News وNature Astronomy اتكلموا عنها، والنقاش فتح تاني باب “الكون الدوّار” مش كفكرة غريبة من عصر جودل، لكن كحل علمي منطقي ومبني على رياضيات حديثة وملاحظات دقيقة.



⚫ هل نعيش داخل ثقب أسود عملاق؟


والأغرب بقى إن النموذج ده فتح باب لتفسير أجرأ بكتير… هل ممكن فعلاً يكون الكون بتاعنا بيدور داخل ثقب أسود عملاق؟!

ممكن تقول لنفسك: إزاي يعني؟! ده كلام خيال علمي!

بس الحقيقة إن الفكرة دي ليها جذور في الفيزياء النظرية، وفيه علماء كتير اتكلموا عنها قبل كده، لكن اللي بيخليها مثيرة أكتر دلوقتي هو إن نموذج السائل الكوني الدوّار بيقدم تشابه كبير جدًا مع اللي بيحصل جوه الثقوب السوداء! وإحنا عارفين إن الثقوب السوداء فيها تمدد، ودوران، وسحب في الزمكان، وهي نفس الخصائص اللي النموذج ده بيحاكيها.

فهل ده معناه إن كل الكون اللي إحنا عايشين فيه ما هو إلا داخل ثقب أسود ضخم موجود في واقع أوسع إحنا مش شايفينه؟… ولو كده فعلاً، فهل ده هيغير مفهومنا كله عن بدايات الكون، وحتى عن المستقبل؟



🔭 الخاتمة: المستقبل بين الدوران والقياس


وطبعًا الخطوة الجاية دلوقتي، زي ما قال فريق البحث، هي إنهم يحوّلوا النظرية دي لنموذج حاسوبي كامل، ويلاقوا طرق نقدر من خلالها نرصد علامات الدوران الكوني ده، حتى لو كان بطيء جدًا ومش باين بالعين المجردة. لكن لو قدرنا نرصد أي أثر ليه؟ فوقتها ممكن نكون على أعتاب إعادة تعريف فهمنا للكون كله!

شارك

Newsletter Updates

Enter your email address below and subscribe to our newsletter

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *