في هذه المقالة العلمية الشيّقة، نغوص سويًا داخل واحدة من أعظم القوى التي تحكم الكون: القوة الكهرومغناطيسية. نكشف كيف بدأت رحلتها منذ لحظات الانفجار العظيم، وكيف اندمجت الكهرباء مع المغناطيسية لتشكّل قوة موحدة تتحكّم في كل شيء حولنا؛ من الضوء والحرارة، وحتى نبضات دماغك ودقات قلبك.
سنفهم كيف تحفظ هذه القوة تماسك الذرّات، وكيف تمنحنا القدرة على اللمس والرؤية، وتسمح للتكنولوجيا الحديثة بالعمل — من الهواتف والإنترنت إلى الأشعة الطبية والموجات الراديوية.
ونسأل السؤال الأخطر:
ماذا لو اختفت القوة الكهرومغناطيسية فجأة؟
هل سينهار الكون المادي؟ وهل يستطيع الإنسان أن يظل موجودًا دونها؟
رحلة علمية ممتعة لفهم أسرار الكون، وواحدة من أهم القوى اللي من غيرها ما كانش هيبقى في حياة، ولا نور، ولا حتى ذرّة واحدة!
في بداية كل شيء، وقبل ما يكون في عين تشوف أو ودن تسمع، ويحكموا على الجمال ويتمزّجوا بيه، وفي حين إن الكون أجمَع كان في حالة من الهَياج، كان في قوّتين بيرقصوا مع بعض رَقصة سلو، في قمة التناغم والإيقاع المنتظم، لدرجة إنّهم بيعتبروا حاليًا قوّة واحدة من كَم التناغم والمثاليّة اللي بيتفاعلوا فيها مع بعض! ومش بس بيعتبروا قوّة واحدة، لأ دول كمان بيعتبروا مع بعض واحدة من الـ4 قوى الأساسية اللي بتحكم الكون بتاعنا، واللي هيّ الـElectromagnetic Force أو القوّة الكهرومغناطيسيّة.
القوّة اللي ما بتقدرش تشوفها بعينك المجرّدة، لكن أنت حرفيًا عايش في خيرها، وبخيرها! ودا لإنّها بتخدمك من ساسك لراسك، ومش أنت بس، لكن الكون أجمع كمان.
القوة أو الطاقة الكهرومغناطيسيّة موجودة تقريبًا في كل حاجة حوالينا: الضوء اللي بينوّر لنا، الحرارة اللي بتدفّينا، التليفزيون، والراديو، والموبايلات، والميكروويفز، وعوالم الحداثة، رؤيتنا للمجرّات والكواكب والنجوم، دوران الكواكب حوالين شموسها، وحتّى تماسك الذرّات حوالين النّواة، كل دول بتتحكّم فيهم القوة الكهرومغناطيسيّة، وبيوصلوا لنا عن طريق طاقتها.
لكن ماذا لو صحينا من النوم يومًا ما ولاقينا القوّة الكهرومغناطيسيّة اختفت فجأة من الوجود؟ إيه اللي ممكن يحصل؟! هل مش هنقدر نشوف الفضاء تاني؟ ولّا مثلًا هنتراجع وهتختفي كل الحداثة؟ ولّا كوكب الأرض هيتجمّد؟ ولّا الموضوع أصلًا أكبر من كدا، والإنسان نفسه ممكن في لحظتها يفنى ويتفتت؟!
أصل القوة: الكهرومغناطيسية ونظرية الانفجار العظيم
إزاي القوّة الكهرومغناطيسيّة اتوجدت أصلًا؟!
على مدى قرون فاتت ولحد دلوقتي، البشرية دايمًا ما كانوا مشغولين بأصل الكون، وإزّاي اتطوّر ووصل للشكل الحالي اللي هوّ عليه، وهيوصل لفين بعد كدا، وما إذا كان هيفنى قريّب ولّا مكمّل معانا حبّة حلوين! وواحدة من النظريّات اللي حاولت تفسّر إزّاي الكون اتطوّر ووصل للشكل الحالي اللي هوّ عليه، واللي بتعتبر واحدة من أكتر النظريات المفهومة غلط، هي نظرية الانفجار العظيم، واللي في الغالب فكرتك عنها يا صديقي إنّها نظرية بتفسّر أصل الكون، أو يعني الكون جه إزّاي، ودا مش حقيقي! هيّ كل الحكاية إنّها بتحط تصوّر لتطوّر الكون على مر الزّمن، بناءً على المعلومات اللي نقدر نستخلصها من دراسة الكون حاليًا. فهيّ مش بتتكلّم أصلًا عن الكون شخصيًا جه منين!
وبحسب رواية نظرية الانفجار العظيم، فالكون في لحظاته الأولى، بما فيه من مادة، وطاقة، وفضاء، كان عبارة عن منطقة صغيرة جدًا بحجم صِفري، والمنطقة دي اتمددت فجأة بسرعة مَهولة تَفوق سرعة الضّوء. وبدأ من وقتها الكون في التمدد، لكن في البداية المادة لسّة ما كانتش عارفة تتشكّل من كُتر ما الكون كان كثيف وحرارته مَهولة. لكن مع تمدد الكون بسرعة، بدأ يبرد وكثافته تقل، فقدرت المادّة إنّها تتشكّل، وخد الكون شكله الحالي اللي إحنا بنشوفه عليه، لكن بتمدد أقل لإن الكون بيتمدد أكتر مع الوقت.
ومَع الانفجار القوي دا يا صديقي والإشعاع الشديد، نتج عن الانفجار دا 4 قوى أساسيّة بتحكم الكون، وهمّا القوة النووية القوية، والقوة النووية الضعيفة، والجاذبيّة، والقوّة الكهرومغناطيسيّة. في بداية الانفجار العظيم، القوى دي كلّها كانت عبارة عن قوّة واحدة، والحقيقة إننا ما نعرفش إزّاي قوّة واحدة خرّجت الـ4 قوى دول، ودا لا زال لغز وفجوة في المجتمع العلمي.
لكن اللي يهمّنا دلوقتي، هوّ إزّاي القوى الأربعة اتحرّكت بسلاسة، وقدرِت بكلّ مرونة، وقوّة، وحَسم إنّها تشكّل الكون وتحكمه! وفوق المرونة دي ما بين القوى وبعضها، كان في قوّة واحدة شغّالة في صورة ثنائيّة؛ الكهربية، والمغناطيسيّة، اللي مش بس بيغرّدوا مع السِرب، دول كمان بيرقصوا سوا مع التغريدة، مكوّنين القوّة الكهرومغناطيسيّة الجبّارة!
اكتشاف الوحدة: ماكسويل والربط بين الكهرباء والمغناطيسية
اكتشاف إن الكهربية والمغناطيسيّة قوّة واحدة لأوّل مرّة:
الحضارات القديمة زي الحضارة المصرية، والحضارة الصينية، والبابلية، عرفوا الكهربيّة والمغناطيسيّة، لمّا اكتشفوا معدن زي المجنتيت – Magnetite المكوّن من أكاسيد الحديد، واللي هوّ معدن مغناطيسي بطبيعته، واستخدموه في فنّهم، وهندستهم المعماريّة، وبوصلات تحديد الاتجاهات، وغيرهم.
وعرفوا كمان الكهربا الساكنة، لمّا فهموا إن الكهرمان ممكن يكتسب قوّة جذب لو فركناه بقطعة قماش، عن طريق إنّه بيكتسب شحنة كهربائية، والشحنة دي بتجذب الورَق، أو الشعر، أو الأجسام الصغيرة ليها. لكن بالرّغم من إن الحضارات القديمة كانت عارفة الكهربية والمغناطيسيّة كويّس، إلّا إنّهم ما كانوش يعرفوا الآليّة اللي بيحصل بيها الكلام دا كلّه، ولا يعرفوا إن القوّتين دول أصلًا ممكن يكون ليهم علاقة ببعض! والحقيقة إنّه كتّر خيرهم يعني، دا إحنا شخصيًا عرفنا إن القوّتين دول ليهم علاقة وثيقة ببعض يا دوبك كدا من سنة 1873م، لمّا الفيزيائي جيمس كليرك ماكسويل – James Clerk Maxwell خرج بكتابه “رسالة في الكهرباء والمغناطيسيّة”، ووضّح فيه إن الكهربا والمغناطيسيّة مش قوّتين منفصلتين زي ما كنّا فاكرين، وإنّهم تفاعلات بتعملها قوّة واحدة اسمها القوّة الكهرومغناطيسيّة! ومش بس كدا، لكنّه قال كمان إن حتى الضّوء عبارة موجة كهرومغناطيسيّة. والكلام دا جمعه في نظرية واحدة، اتسمّت بـالنظرية الكهرومغناطيسيّة، اللي اعتمد عليها آينشتاين في صياغته للنظرية النسبية.
وببساطة يا صديقي عشان أوضّح لك أهمية الكهرومغناطيسيّة في حياتنا، أو مدى تغلغلها فينا وفي الكون، فهيّ مش بس في الضّوء زي ما قال ماكسويل، أنا عايز أقول لك إن أيّ ذرّة في الكون بتولّد قوة كهرومغناطيسيّة وبتتأثّر بيها! والقوة الكهرومغناطيسية مش بس موجودة في الذرّة، لأ دي كمان هيّ المسؤولة عن تماسكها، والحفاظ عليها من الانهيار، وعن ترابط الذرّات مع بعضها عشان تكوّن جزيئات.
يعني م الآخر كدا يا صديقي، كل قوى الشد والضغط اللي بنحس بيها يوميًا، زي لما تلمس حاجة أو تمسك قلم مثلًا، كلّها ناتجة عن القوة الكهرومغناطيسية المتفاعلة بين ذرّات جسمك وذرّات الحاجة اللي بتمسكها! يعني أنت أصلًا بتحس بالعالم من حواليك، عن طريق تفاعل القوة الكهرومغناطيسيّة في ذرّاتك مع القوّة الكهرومغناطيسيّة الخارجة من ذرات العالم!
والجملتين دول ممكن يجاوبوك مبدئيًا على عنوان الحلقة أصلًا: وهوّ لو القوّة الكهرومغناطيسية اختفت فجأة.. إيه اللي ممكن يحصل؟
بس عشان تبقى فاهم أكتر لو الصورة لسّة ما وضحتش، حلّينا نكمّل ونقول: القوة الكهرومغناطيسيّة بتنشأ إزاي أساسًا، وإزاي بتحكم الكون كلّه كدا، وإزاي غيابها هيأثّر عليك وعلى وجودك كجسم مادّي من أساسه!
جذور الطاقة: نشأة الموجة الكهرومغناطيسية وتأثيرها على الإنسان
إزّاي القوّة الكهرومغناطيسيّة بتنشأ في الكون وجوّا الإنسان، وهل غيابها هيتسبب في تدمير الإنسان؟!
الكون يا صديقي مكوّن من ذرّات زي ما أنت أكيد عارف، وجسم الإنسان المادّي بيعتبر جزء من الكون، ويسري عليه قوانينه. فلمّا نقول إن القوّة الكهرومغناطيسيّة هيّ اللي بتحافظ على بقاء الكون وتماسكه جنب القوى الأساسية التانية، فبالتالي هتكون بتحافظ برضو على بقاء الإنسان شخصيًا كجسم مادّي وجزء من الكون، واللي من غيرها هينهار فورًا! بس خد بالك يا صديقي إننا هنا بنتكلم بمعزل عن الوَعي والرّوح، يعني بنتكلّم عن مصير الجسم المادّي للإنسان.
لكن عشان نعرف دا هيحصل ليه، خلّينا نمسك الطاقة الكهرومغناطيسيّة من جذورها بدايةً من الذرّة، ونتخيّل المشهد كامل عامل إزّاي، واللي إحنا عادةً مش بنشوفه لكن بنحس بيه!
المشهد معانا بيبتدي بـإلكترون ساكن مش بيتحرّك، هنا الإلكترون بيحمل شحنة سالبة، وحواليه في مجال كهربائي عامل زي خيوط العنكبوت. لو جينا قرّبنا منه شُحنة تانية، يا إمّا الشحنة دي هتكون إلكترون سالب الشحنة زيّه، فهيبعده، يا إمّا هتكون نواة ذرّة موجبة الشّحنة، فهيجذبها ليه ويدور في مدارها، أو بمعنى أصحّ يعني همّا الاتنين هينجذبوا لبعض.
الإلكترون دا نفسه بقى لو بدأ دلوقتي يتحرّك بسرعة، فوهوّ بيتحرّك مش بس هيكون حواليه مجال كهربائي ماشي معاه، لأ دا كمان هيولّد مجال مغناطيسي حوالين مسار حركته. يعني كإنّ مسار الإلكترون دا حبل، وبيدور حواليه حلقات من المغناطيسيّة. ولحد دلوقتي القوّة الكهرومغناطيسيّة موجودة، لكنّها ساكنة، وتأثيرها مش ظاهر لإن الموجة بتاعتها لسّة ما اتكوّنتش.
طيب الموجة دي بقى هتتكوّن إمتى؟!
هتتكوّن لمّا الإلكترون يبدأ يتسارع، يعني ما يمشيش بسرعة ثابتة لكنّه هيبدأ يسرّع أكتر. هنا الكهربا أو المجال الكهربائي للإلكترون هيبدأ يتّحد مع المجال المغناطيسي ليه، والاتنين سوا هيكوّنوا موجة مكوّنة من قمم وقيعان، والموجة دي بقى هيّ القوّة الكهرومغناطيسيّة، وهيّ اللي بتحافظ على دوران الإلكترون حوالين النواة.
الطيف الكهرومغناطيسي: الأشكال السبعة وأثرها على حياتنا
واللي بالمناسبة ليها 7 أشكال أو أطياف، وهمّا: موجات الراديو، والميكروويف، والأشعة تحت الحمراء، والضوء المرئي، والأشعة فوق البنفسجية، والأشعة السينية، وأشعة جاما. والأطياف بتختلف في الطول الموجي واللي هوّ المسافة ما بين قمّتين أو قاعين متتاليين، لكن كلّها بتندرج في الآخر تحت الطاقة الكهرومغناطيسيّة، بس بتختلف في استخدامها في حياتنا.
يعني مثلًا الأشعة السينية دي اللي هي الـX-rays اللي بتستخدم في الطب والأشعة، والراديو بيستخدم في الاتصالات والموبايل والواي فاي والبلوتوث، والضوء المرئي طبعًا هوّ الضوء اللي بيوصل لنا من الشّمس، واللي بنقدر نشوف بيه الأشياء عن طريق موجاتها الكهرومغناطيسيّة اللي عينينا بتستقبلها منها، والميكروويف اللي بيستخدم في الأفران والرادارات والأقمار الصناعيّة، والأشعة تحت الحمراء هي الحرارة اللي بنحسّها وبتخرج من أي جسم دافي بما فيه الإنسان، وهيّ اللي بتستخدم في الكاميرات الليليّة وبعض الحيوانات كمان بتشوف بيها.
وعلى ذِكر الإنسان بقى، فدماغ الإنسان أصلًا فيه ترددات مختلفة زي جاما، ودلتا، وثيتا، وألفا، وبيتا، وكلّها ترددات مرتبطة بحالات معينة زي النوم، والتركيز، والاسترخاء، والتفكير، وحتّى إن بعض الترددات متّهمة في إنّها هيّ المسؤولة عن الوعي اللي بيميّز الإنسان، لكن لسّة ما قدرناش نكتشف دا أو نوجد دليل عليه، وكلّها تكهّنات في علم الأعصاب أو علم النفس العصبي.
بس القوّة الكهرومغناطيسيّة في جسم الإنسان مش بتقتصر على الدماغ بس، لكنّها في كل ذرّاته أو خلاياه زي ما اتفقنا من شوية إنّها موجودة في كل ذرّة؛ فالقلب، والإشارات العصبية، والدّماغ، والجلد، والعظام، والعضلات، وغيرهم، كلّهم بتتحكّم فيهم القوّة الكهرومغناطيسيّة، لإنّه ما دام في إلكترون أو نواة، يبقى في كهربا، ويبقى في مغناطيس، وبالتالي في قوّة كهرومغناطيسيّة!
ولو بعدنا بقى شوية عن المستوى الذرّي والإنسان، ووسّعنا نظرتنا للكون المادّي كامل، بما يشمله من كواكب، وشموس، ومجرّات، وفضاء، فاللي محافظ على تماسك ذرات الكون الشاسع دا كلّه هوّ القوّة الكهرومغناطيسيّة. وزي ما الجاذبيّة بتحافظ على تماسك الكون وبتحافظ على شكله، فالكهرومغناطيسيّة بتحافظ على تماسك كل ذرّة فيه. فإذا اختفت الكهرومغناطيسيّة، انهار الكون المادّي بالكامل، بما فيه جسم الإنسان المادّي.
والسؤال هنا: لو فعلًا حصل لأي سبب ولاقينا القوّة الكهرومغناطيسيّة اختفت فجأة، هل هنلحق أصلًا ندرك دا؟ ولّأ هنتفتت في وقتها؟!







