قدم الفيل والغابة الحمراء..أخطر مادة موجودة على وجه الأرض..كارثة مفاعل تشرنوبل الجزء الثاني

في هذا المقال من سلسلة “حدوتة علمية” نكمل قصة كارثة تشيرنوبل الشهيرة ونكشف أسرار قدم الفيل والغابة الحمراء والمواد المشعة الأخطر على سطح الأرض. حلقة توضيحية مبسطة لفهم ما حدث داخل المفاعل الرابع، وكيف واجه العلماء والمتطوعون أخطر مهمة في التاريخ بعد أكبر تسرب إشعاعي. نشرح أسباب الانفجار، الفرق بين الانفجار النووي والانفجار الحراري، ماهية الإشعاع وتأثيره على الجسم، وما هو الكوريوم Corium وسبب تسميته بقدم الفيل، بالإضافة إلى قصة الغابة الحمراء وآثار الإشعاع على البيئة والكائنات. محتوى علمي موثوق وبأسلوب مبسط لعشاق الفيزياء والطاقة النووية وتاريخ الكوارث العلمية.

في الجزء الأول كنا بدأنا سلسلة جديدة بعنوان “حدوتة علمية“. السلسلة دي عبارة عن حلقات، سواء منفردة أو مجزأة، وفيها بنحكي عن واقعة معينة حصلت وبنشرح كل المفاهيم العلمية المرتبطة بيها.

في الجزء الأول لـ”قدم الفيل والغابة الحمراء” اتكلمنا عن أشهر وأضخم حادث تسرب إشعاعي حصل في التاريخ: المقصود حادث تشرنوبل في أوكرانيا، اللي كانت جزء من الاتحاد السوفيتي. في الحلقة دي حكينا جزء من الحدوتة واتكلمنا عن انتشار الإشعاع في أوروبا كلها تقريبًا، وحكينا عن التقصير اللي حصل، ومن بعده إقامة التابوت اللي من المفترض هيصد الإشعاع. وفهمنا خلال الحلقة الأولى بعض المفاهيم العلمية زي المفاعل النووي والانفجار الحراري.

وختمنا الجزء الأول بالكلام عن نقص خبرة الأطقم الفنية وسوء تصميم المفاعل. وكان من الطبيعي إنه يظهر سؤال بديهي بيقول: إزاي الاتحاد السوفيتي، اللي كان دولة عظمى، لا كان عنده أطقم مدربة تدريب عالي، ولا حتى كان عارف يصمم مفاعل بمواصفات الأمان المطلوبة؟ هو لو الاتحاد السوفيتي مش عارف يصمم مفاعل، أمّال مين اللي يعرف؟

وقلنا إننا في الحلقة الجاية هنبدأ بإجابة السؤال اللي فات ده مباشرة، لكن هنزوّد كمان بعض الأسئلة المهمة المتنوعة. زي مثلاً: هل كان في فرصة إن يحصل انفجار نووي في المفاعل بدل الانفجار الحراري؟ كمان عايزين نفهم إيه معنى الإشعاع بالظبط وليه بيضر الجسم؟ وطبعاً أهم حاجة إننا نفهم: إيه علاقة عنوان الحلقة بالموضوع من الأساس؟ إحنا لحد دلوقتي مش فاهمين إيه هي قدم الفيل وإيه هي الغابة الحمراء وإيه هي مادة الكوريام؟



❓ التصميم الخاطئ ونقص الكفاءة الفنية: لماذا تشرنوبل؟

بالنسبة لسؤال: ليه أهم أسباب الحادث هي سوء تصميم المفاعل ونقص الخبرة الفنية للأطقم؟

فالإجابة يا صديقي إن حوادث المفاعلات والتسريب الإشعاعي بتحصل عادي لحد النهارده. حوادث المفاعلات تقدر تعتبرها زي حوادث الطيارات؛ الاثنين نوعية من الحوادث النادرة فعلاً لكنها في النهاية بتحصل. بل إن كل حادث بيبقى عبارة عن درس جديد لتصليح أخطاء ما كانش حد واخد باله منها. فكل طيارة بتقع بتعلّم مهندسين وشركات الطيران حاجة جديدة. ونفس الكلام بينطبق على حوادث المفاعلات والتسريب الإشعاعي. والدليل إنه فعلاً معايير السلامة كلها اتغيّرت بعد حادث تشرنوبل.

يعني من الكلام ده تقدر تستنتج إن حادث تشرنوبل ما كانش الحادث الوحيد من نوعه، بل حتى ما كانش الحادث الوحيد في الاتحاد السوفيتي. وأمريكا برضه حصل فيها عدة حوادث أشهرها وأكبرها هو حادث (Three Mile Island)، الحادث اللي حصل سنة 1979 في ولاية Pennsylvania، يعني لو تبص على التاريخ هتلاقيه حصل حتى قبل حادث تشرنوبل. كمان حصل عدد من حوادث التسريب الإشعاعي في اليابان، وكان آخرها حادث فوكوشيما سنة 2011 (Fukushima nuclear accident). كمان حصلت حوادث المفاعلات في بريطانيا، وفرنسا، وكندا، والهند، والصين.

يعني الخلاصة: حوادث المفاعلات بتحصل عادي ومش بترتبط باسم الدولة. الفكرة بس في حادث تشرنوبل إنه كان الأقوى والأعنف بين كل الحوادث، على الأقل يعني من حيث عدد الضحايا. ده غير فكرة التهويل وتسليط الضوء من الإعلام الغربي على مشاكل الشرق.

وده لأن حادث تشرنوبل كان من ضمن أسبابه فعلاً النواحي السياسية. دولة الاتحاد السوفيتي في الوقت ده كان ليها نظام سياسي قاسي جدًا، وكان النظام عنده أولويات بتؤثر على معدلات الأمان، زي مثلاً: الاسترخاص في الخامات، والسرعة في التصميم للرغبة في السبق. ده غير الرغبة في إظهار القوة وعدم الظهور بمظهر الضعيف. فالمبدأ كان عندهم إنه ما ينفعش نظهر ضعف أو نعترف بأخطاء. ولذلك، الكوكتيل ده كان بيخلي حتى العيوب المعروفة ما تظهرش في التقارير، وبالتالي ما كانتش برضه بتوصل للي بيشغّل المفاعلات. يعني أيوه، العلماء اللي صمموا المفاعل أكيد كانوا عارفين نقاط الضعف وعوامل الخطر، لكن الأطقم الفنية العادية ما كانوش عارفين كل شيئ بسبب السرية والتعتيم.

يعني لو عايز تختصر الكلام ده كله، فتقدر تقول إنها كانت مشكلة إدارة.



🎖️ المهمة المُرعبة والجنود المجهولون

بالعودة بقى للحدوتة بتاعتنا، فخليني أقولك إنه أول 8 شهور من الحادث كانت المعلومات مشوشة، وما كانش حد عارف كل آثار الحادث بالظبط. فالمكان ملوّث جداً بالإشعاع ومش وقته خالص الدراسة وبحث الأسباب. التركيز كله كان على بناء التابوت وعزل المنطقة بأكبر قدر ممكن من الحماية.

لكن في أواخر سنة 1986، بعد حوالي 8 شهور من الانفجار، كانت لحظة أول دراسة فعلية للي حصل جوه الوحدة الرابعة. الوحدة الرابعة، للي ما شافش الجزء الأول، يعني المفاعل الرابع اللي اتعرض قلبه للانفجار. كان واضح إن النشاط الإشعاعي بتزيد قوته كل ما دخلوا في أعماق الوحدة، لدرجة إن الروبوتات اللي نزلوها في الدهاليز والأنفاق كانت بترجع لهم عطلانة. يعني كان واضح إن قوة الإشعاع بتخرب الدوائر الإلكترونية للروبوتات.

خليني هنا أسألك سؤال عشان بس أحضّرك للي حصل! تفتكر الباحثين في الوقت ده عملوا إيه؟

الإجابة يا صديقي إنهم دخلوا البشر بدل الروبوتات! مجموعة من المتطوعين نزلت جوه الأنفاق اللي كان ممكن تنهار في أي لحظة. مجموعة انتحارية فضلت ماشية ورا آثار الإشعاع وسط العتمة والخراب اللي حاصل. وكان من الطبيعي في الأجواء دي إنهم يكتشفوا المصيبة!

بس قبل ما أقولك ع المصيبة اللي لقوها، خلينا نحسمها من الأول: المتطوعين اللي نزلوا دول، مع رجال الإطفاء اللي وصلوا في بداية الحادث، على كمان اللي بنوا التابوت وقوات الدفاع المدني وكتير من المدنيين، كل دول بيسموهم الجنود المجهولين في حادث تشرنوبل. وطبعاً أغلبهم من الضحايا اللي سقطوا بعد كده.

وأعداد الضحايا في حادث تشرنوبل مش معروف بالظبط بسبب الإجراءات السوفيتية اللي قلنا عليها. بعض المصادر بتوصل بالأعداد لأكثر من 90 ألف وفاة مرتبطة بالإشعاع على مدى سنوات! لكن عشان ما لا يدرك كله لا يترك جله، تم اختيار أسماء 4 آلاف ضحية واتنقشت أسماؤهم على نصب تذكاري اتعمل على أطراف مدينة تشرنوبل. أسماء بتنتمي لشرائح مختلفة بتشمل مهندسين وفنيين ومتطوعين. وعلى النصب التذكاري تحت الأسماء اتكتبت جملة بالروسي معناها: “من أجل هؤلاء الذين أنقذوا العالم”.



🦶 قدم الفيل ومادة الكوريام (Corium)

إيه هي بقى المصيبة اللي لقوها؟

المصيبة اللي لقوها هي أخطر جسم على وجه الأرض! المصيبة هي قدم الفيل اللي مستنيين نعرف إيه هي من الجزء الأول. وبالتأكيد طبعاً مش هي دي قدم الفيل المقصودة .

الكتلة اللي أنت شايفها دي أطلقوا عليها قدم الفيل لما لقوها والاسم لزق من ساعتها. وهي عبارة عن مزيج من الرواسب المشعة والمواد المنصهرة، بالإضافة لكميات من الرملة والتراب والخرسانة والحديد المنصهر. كتلة ضخمة وزنها 96 طنًا وكلها ملوّثة بالإشعاع. عناصر مختلفة من: اليورانيوم، والبلوتينيوم، والكوريوم، والزركونيوم، والمغنيسيوم، والجرافيت. يعني تسمية قدم الفيل دي كانت من اختراع الفريق اللي شافها أول مرة، بس الباحثين بعد كده اخترعوا لها اسم فني هو الكوريام (Corium). الاسم جاي للدلالة على انصهار الـ (Core) أو القلب بتاع المفاعل. ومن الوقت ده بقى الـ Corium مصطلح بيطلق على أي كتلة ناتجة عن انصهار قلب المفاعل.

بس بما إننا بنتكلم على الـ Corium الخاص بمفاعل تشرنوبل، خلينا نكمل مع تسمية قدم الفيل.

قدم الفيل دي بقى هي أخطر جسم موجود على سطح الأرض؛ وده لأن نسبة الإشعاع فيها بيوصل لرقم قياسي تم تقديره بـ $10,000 \text{ رونتجن}/\text{ساعة}$. والكم ده كفيل بالقضاء على البشر لو وقفوا قدامها دقيقتين حتى مع الملابس الواقية. ولذلك، اللي صوروا قدم الفيل أو أخدوا عينة منها بعد كده كانوا يا دوب بيقفوا قدامها ثواني ويبعدوا. وحتى من الثواني المعدودة دي الأفلام أحياناً كانت بتتحرق. وموجود صورة شهيرة على النت التقطها أصحاب الباحث الروسي Artur Korneyev، وعلى الرغم من أن الصورة مش متاخدة من قدام الكتلة مباشرة، إلا إنه بيتضح مدى تأثير الإشعاع على الفيلم والجودة.

خليني بقى أجاوب صديقنا اللي مذاكر كيمياء كويس وقاعد محتار! صديقي ده بيقول لي: هو مش الـ Curium (كيريام) يا عمده عنصر مشع من عناصر الجدول الدوري؟ الإجابة على صديقي إنه أيوه فعلاً الـ Curium عنصر كيميائي مشع رمزه (Cm) وعدده الذري 96. بس الـ Corium هو المصطلح اللي بيعبّر عن الرواسب المشعة المتحجرة، واللي بتنتج عن انصهار قلب مفاعل نووي بعد حادث كارثي. هي فعلاً ملاحظة كويسة بس الاسمين ما لهمش علاقة ببعض.



☢️ مصدر الإشعاع وما يفعله بالجسم

من الأسئلة المهمة اللي أجلناها برضه كان سؤال: إيه هو الإشعاع وبيعمل إيه في الجسم؟

أولاً، بجانب النيوترونات، فالإشعاع بيبقى عبارة عن أشعة ألفا ($\alpha$)، وبيتا ($\beta$)، وجاما ($\gamma$). هتقول لي: طب يا عمده، النيوترونات وعرفنا إنها جاية من النواة اللي انشطرت، بس ألفا وبيتا وجاما دول جم منين؟

ألفا وبيتا وجاما يا صديقي برضه بيبقى مصدرهم أنوية العناصر الثقيلة زي اليورانيوم والبلوتونيوم.

  • فأشعة ألفا ($\alpha$) عبارة عن 2 بروتون + 2 نيوترون، يعني أشعة ألفا هي بالظبط نواة ذرة الهيليوم. بس خلي بالك بقول نواة الهيليوم مش ذرة الهيليوم؛ لأن ذرة الهيليوم الكاملة بيبقى فيها إلكترونين زيادة في المدارات.

  • أما أشعة بيتا ($\beta$) فهي عبارة عن نيوترون بيتحول لبروتون + إلكترون، أو العكس: يعني بروتون يتحول لنيوترون + بوزيترون.

  • أما أشعة جاما ($\gamma$)، ودي أشرسهم وأقواهم، فهي مجرد فوتونات طاقتها عالية جدًا. وطبعاً الفوتونات ما هي إلا موجات كهرومغناطيسية.

المهم إن الإشعاع بيقدر يخترق الجسم، والنتيجة بتكون تخريب الخلايا الحية والحمض النووي (DNA). والسبب إن الإشعاع بـيؤيّن ذرات الجسم نفسه؛ يعني الإشعاع بيصطدم بذرات في خلاياك زي ذرات الأكسجين مثلاً، والاصطدام ده بيخلّي الإلكترونات تطير بعيد عن الذرة وتتحول لأيونات مشحونة جوه الجسم. طبعاً الكلام ده بيؤدي لـموت الخلايا أو على الأقل سرطنتها.



🌳 الغابة الحمراء وأثر الكارثة البيئي

برضه من الأسئلة اللي أجلناها هو سؤال: إيه هي الغابة الحمراء؟

مبدئياً يا صديقي خليني أقولك سؤال من عندي: هل التابوت حل المشكلة وعزل الإشعاع تمامًا؟

الإجابة المنطقية إنه طبعاً لا! والدليل إني قلتلك إن مدينة برايبيات وتشرنوبل لحد النهارده مدن أشباح. التابوت كان وظيفته تقليل التسريب قدر الإمكان مش منعه تماماً.

ولذلك، على مدار الزمن امتدت آثار الكارثة للبيئة المحيطة وحولتها للون الأحمر البني. فالإشعاع دمّر خلايا النبات وقتل الشجر بيولوجياً؛ لأن الإشعاع وقف عملية التمثيل الضوئي وقضى على الكلوروفيل اللي بيدي النبات لونه الأخضر.

فعلى مساحات تراوحت من 6 لـ 10 كيلو متر مربع من مكان الكارثة، اتكوّن ما يعرف بـ الغابة الحمراء. وهي عبارة عن مئات من الأشجار الميتة اللي اتحولت للون البني المُحمَر. اللون ده هو تقريباً نفس لون الورق الدبلان أو الميت اللي بيظهر في الخريف. وللعلم، آثار الإشعاع وصلت لحد المملكة المتحدة في أقصى الغرب. أما البلاد القريبة من مكان الكارثة، زي أوكرانيا وبيلاروسيا، فقدوا حوالي خُمس الأراضي الزراعية. وتم إنفاق 22% من الناتج المحلي لحكومة الاتحاد السوفيتي للتعامل مع الأزمة. لدرجة إن كتير من المحللين بيقولوا إن الخسائر الاقتصادية والسياسية الرهيبة اللي نتجت عن الكارثة كان ليها دور في تسريع عملية انهيار الاتحاد السوفيتي كله بعدها.



💥 لماذا لم يحدث انفجار نووي حقيقي؟

أخيراً بقى نيجي لواحد من أكتر الأسئلة اللي بتتردد من أي حد بيسمع عن انفجار تشرنوبل لأول مرة: ليه ما حصلش انفجار نووي حقيقي زي هيروشيما رغم إن تشرنوبل فيه يورانيوم مخصّب؟

والإجابة ببساطة إن الانفجار النووي مستحيل فيزيائيًا في المفاعلات المدنية. تشرنوبل هو مفاعل مدني مخصص للأغراض السلمية زي إنتاج الكهرباء. والنوعية دي من المفاعلات بتبقى درجة التخصيب فيها قليلة جدًا. أما القنبلة النووية فمش بتشتغل إلا بـنسبة عالية جدًا من تخصيب اليورانيوم. بالإضافة كمان لاختلاف نوع التفاعل وسرعته في المفاعلات المدنية عن العسكرية.

يعني لو السؤال: ليه ما حصلش انفجار نووي في تشرنوبل؟ أدّينا جاوبنا. أما لو السؤال: هل ممكن يحصل انفجار نووي في المفاعلات؟ فالإجابة هتكون أيوه ممكن بس في المفاعلات العسكرية.

الفرق بقى بين مفاعلات الأغراض السلمية والمفاعلات العسكرية ممكن يبقى موضوع جديد!

شارك

Newsletter Updates

Enter your email address below and subscribe to our newsletter

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *