مشروع ناسا المرعب لصنع محركات الدفع النووي بالمادة المضادة

 في هذا المقال نستكشف واحدًا من أخطر وأغرب المشاريع العلمية السرّية في تاريخ البشرية: مشروع الدفع النووي النبضي بالمادة المضادة، الذي تعمل عليه وكالة ناسا وعلماء الدفاع الأمريكي منذ أكثر من ستين عامًا. تخيّل تقنية قادرة على دفع مركبة فضائية للوصول للمريخ خلال ساعتين فقط، والاقتراب من أقرب نجم خلال عشرات السنين بدلًا من عشرات الآلاف… ومع ذلك تحمل في داخلها إمكانية تدمير الكوكب بالكامل إذا حدث خطأ واحد فقط!

نغوص معًا في عالم المادة المضادة، وكيف يمكن لغرام واحد منها أن يمتلك طاقة تفوق أقوى القنابل النووية، ونتعرف على تاريخ هذا المشروع من مشروع أوريون وحتى ACNPP، وتحديات الإنتاج والتخزين والتكلفة المرعبة التي قد تغيّر مستقبل البشرية أو تنهيه تمامًا.

محتوى شيّق لمحبي الفيزياء، الفضاء، الأسرار العلمية، ومشاريع القوى العظمى التي تتحرك في الخفاء وراء أبوابٍ مغلقة. رحلة بين الإبهار والخطر، بين حلم غزو النجوم وكابوس نهاية العالم.

كل يوم تقريبًا، العلم بيقرّبنا أكتر من حاجات كنا بنعتبرها زمان خيال علمي مش أكتر. حاجات بتخلينا أحيانًا ننبهر ونشكر ربنا إننا جينا في العصر المتفوق ده. بس أحيانًا تانية على العكس، بنقلق ونقول: يا ريتنا جينا في عصور الروقان!

لكن النهار ده بقى إحنا عندنا حاجة هتخلينا ننبهر ونترعب في نفس الوقت. وأكيد مفيش حاجة بتجمع الإبهار والرعب مع بعض إلا وبتكون مرتبطة بالفضاء.

وخليني بالمناسبة دي أقولك على أول شيئ مُبهر: أنت تعرف إن أقرب نجم لينا “بروكسيما سنتوري” (Proxima Centauri) بيبعد عننا حوالي 75 ألف سنة؟ طبعًا الـ 75 ألف سنة دول محسوبين بناءً على أسرع مركبة فضائية عندنا. ولذلك، مشكلة الوقت دي حاول العلماء التعامل معاها بكذا حل.

بس الجديد بقى إن وكالة ناسا وشوية علماء مجانين بمعنى الكلمة شغالين على حل في قمة الرعب بقالهم فيه دلوقتي أكتر من ستين سنة. وكل فترة بيطوّروا الفكرة دي ويغيّروا اسم المشروع. والمشكلة إني لما أقولك فوق الستين سنة شغل من غير التخلي عن الفكرة، يبقى تعرف إن الجماعة دول مُصممين على نجاح المشروع مهما كان الثمن.

حالياً، اسم المشروع المرعب ده بالصيغة المختصرة هو مشروع (ACNPP)، أو الاسم بالكامل: Antimatter Catalyzed Nuclear Pulse Propulsion، يعني بالعربي الدفع النبضي النووي المحفز بالمادة المضادة.

الهدف المعلن من المشروع ده هو توليد طاقة خارقة تدفع المركبات الفضائية بسرعات خرافية. ممكن تستعجل وتقول لي: طب ما دي حاجة كويسة ومفيهاش رعب ولا حاجة! هقولك: الرعب في إن أي غلطة في المشروع ده هتخلص على كوكب الأرض باللي فيه! والكلام ده كمان إذا استبعدنا نظريات المؤامرة اللي بتقول إنهم أصلاً بيصمموا سلاح مخيف. سلاح هيكون الجرام الواحد منه في قوة قنبلة نووية قوية. والسبب في كده إنه هيكون سلاح من أخطر، وأندر، وأغلى حاجة في الكون: المادة المضادة.

تعالى بقى مع بعض نشوف التفاصيل وهتحكم أنت بنفسك على الرعب والإبهار.



✨ أهمية المادة المضادة

خليني أفكرك بسرعة إن المادة المضادة (Antimatter) هي نسخة معكوسة من المادة العادية. فكل جسيم أنت تسمع عنه بيبقى له جسيم مضاد مختلف عنه فقط في الشحنة.

عندك مثلاً أشهر حاجة: الإلكترون بيبقى ليه جسيم مضاد اسمه الإلكترون الموجب، أو برضه بيسمى مضاد الإلكترون أو البوزيترون. خلينا نستعمل الاسم الأشهر وهو البوزيترون (Positron). البوزيترون ده شبيه للإلكترون في كل حاجة إلا إن الشحنة بتاعته موجبة. أساساً كلمة Positron هي اختصار لـ Positive Electron يعني الإلكترون الموجب.

الفكرة بقى إنه على حسب قاعدة: الشحنات المتشابهة بتتنافر والشحنات المختلفة بتتجاذب، البوزيترون والإلكترون أو أي جسيم من المادة والجسيم المضاد ليه بيتجاذبوا. والمشكلة إن التجاذب ده بيؤدي لإبادة الجسيمين وفنائهم تمامًا!

بس الميزة اللي العلماء شايفينها إن ناتج التفاعل ده بيؤدي لتوليد طاقة جبارة، طاقة ملهاش مثيل مع أي مصدر طاقة نعرفه، طاقة بتعتبر خرافية فعلاً بكل المقاييس.

خليني برضه أقولك مثال رقمي بسيط: لو أخدنا 1 جرام من مادة عادية + 1 جرام من مادة مضادة، يعني الكتلة الإجمالية = 2 جرام. الجرامين دول لما ينجذبوا لبعض وتحصل عملية الإبادة، هتنطلق طاقة صافية بتقدر بحوالي 180 تريليون جول من الطاقة. الكمية دي ببساطة تكفي لتزويد مدينة كاملة بالكهرباء.

يمكن تستعجل تاني وتقول لي: ما هو برضه كويس! ما الطاقة أصلاً هي أهم متطلبات البشر. هقولك: ما أنا قلتلك إن المشروع فعلاً فيه جزء مُبهر. أنا لسه ما جبتش سيرة الرعب!



💣 المحاولات الأولى لتوليد الدفع الخارق

أكيد لاحظت إن السر في إنتاج الطاقة المهولة دي مش في المادة المضادة نفسها، السر في التفاعل اللي بيحصل بينها وبين المادة العادية. والكلام ده كان معروف من زمان عند العلماء، من أول ما معادلات بول ديراك تنبأت بوجود المادة المضادة سنة 1928. ولذلك، تدبير كميات مناسبة من المادة المضادة لإنتاج الطاقة هو حلم قديم، وزاد الحلم ده أكتر مع بدء عصر الفضاء. فالمسافات الفلكية في الفضاء هتبقى محتاجة طاقة استثنائية لتوليد السرعات وقطع المسافات.

ولذلك برضه كانت البداية سنة 1958 مع مشروع أوريون (Project Orion). في الوقت ده ما كانش لسه العلماء دبّروا أي قدر من المادة المضادة، لكن الفكرة اللي كانوا بيشتغلوا عليها هي فكرة الانفجارات النووية. ما تنساش إن فكرة القنبلة النووية بتقوم على نفس المبدأ؛ فكرة القنبلة النووية قائمة على مبدأ إبادة جزء من المادة وتحويله لكمية ضخمة من الطاقة. ولذلك فمشروع أوريون كانت فكرته هي استخدام التفجيرات النووية لدفع مراكب الفضاء.

طبعًا لما تسمع عن الفكرة دي بالاختصار اللي أنا بتكلم بيه هتقول إن ده كلام خيالي، بس خليني أقولك إن الفكرة دي حققت فعلاً قدر من النجاح. وخلال الاختبار اللي تم فيه استعمال خمس انفجارات متتالية، اندفعت مركبة الاختبار المسماة (Hot Rod) بسرعة كبيرة في الفضاء، بل إنهم قدروا يستعيدوها مرة تانية وهبطت بالمظلة في حي Point Loma بمدينة San Diego في ولاية كاليفورنيا.

إنما فعلاً مشاكل الاختبار ده كانت أكتر بكتير من نجاحاته الجزئية:

  1. فأولاً، كان واضح إن درع المركبة مش هيستحمل عدد أكتر أو أكبر من الانفجارات.

  2. وثانيًا طبعًا، تكلفة استخدام قنابل ضخمة ما هواش اختيار عملي.

ده غير بقى مشاكل تانية كتير زي مشكلة الإشعاعات وعدم الدقة في التوجيه. لكن برضه العلماء استمروا في الدراسة والتطوير لحل مشكلات المشروع. إنما ساعتها جت من عند ربنا واتمنعت التفجيرات النووية خصوصًا في الفضاء مع معاهدات 1963 و 1967. وكانت النتيجة في الوقت ده هي إلغاء مشروع أوريون. لكن لحد النهارده موجود جزء من المركبة (Hot Rod) بطلة الاختبار في متحف سميثسونيان.



🔬 المحاولات الحديثة (ACNPP)

على الرغم من إلغاء مشروع أوريون لاعتبارات دولية، إلا إن العلماء كانوا كده كده بيفكروا في استبدال القنابل النووية بالمادة المضادة. وده لأنهم كانوا قدروا ينتجوا فعلاً البوزيترون في جامعة كاليفورنيا – بيركلي سنة 1955.

ولذلك، استمرت الدراسات النظرية اللي تم الإعلان عنها سنة 1980، واللي تحولت لمشروع مُعلن بيسمى مشروع (Longshot). وهو ده المشروع الأم اللي هيتغير اسمه بعد كده كذا مره على حسب كل مرحلة من التطويرات.

فمثلاً في سنة 1996، اتحوّل الاسم لمشروع (ICAN 1) و (2). ICAN دي اختصار لـ Ion Compressed Antimatter Nuclear. الترجمة هي المادة المضادة المضغوطة بالأيونات النووية. أما المعنى فهو عمل تفاعل نووي باستخدام المادة المضادة، والوقود النووي هيتم ضغطه باستخدام شعاع من الأيونات.

يعني الفكرة إنهم يستخدموا كمية صغيرة جدًا من المادة المضادة لبدء التفاعل النووي بدَل القنابل. والمفترض إن المادة المضادة، اللي غالبًا هتبقى البوزيترونات، لما تلمس المادة العادية هيحصل إبادة وينتج عنها طاقة رهيبة. والطاقة دي هيتم التحكم فيها عشان تخرج على هيئة نبضات. كل نبضة هتولّد ضغط كافي إنه يدفع المركبة للأمام.

طب ليه الدفع هيبقى نبضي مش متواصل؟ ما هو لو عملت تفجير واحد ضخم بالمادة المضادة، السفينة كلها هتتبخر! فالبديل كان عمل تفجيرات صغيرة نسبيًا بس سريعة واحدة ورا التانية. ومع إضافة مجال مغناطيسي قوي لتوجيه الانفجار للخلف، موجة الانفجار هتدفع المركبة للأمام. زي بالظبط مبدأ نيوتن: لكل فعل رد فعل مساوي له في المقدار ومعاكس له في الاتجاه.

الخلاصة إن المشروع ده فضِل يتطور، لكنه أخد مُنحنى خطير جدًا في سنة 2000. في الوقت ده، دخلت (DARPA) على الخط وأعلنت التعاون والشراكة مع ناسا. DARPA دي هي وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية. ومن الوقت ده اتغيّر اسم المشروع مرة جديدة وبقى اسمه: Antimatter Catalyzed Nuclear Pulse Propulsion، يعني الدفع النبضي النووي المحفز بالمادة المضادة.

وخليني أقولك إن الدراسات النظرية وضحت إن النجاح أكبر من اللي كانوا بيحلموا بيه. وقت ما بدأوا المشروع كانوا بيأملوا إنهم يخفضوا زمن الـ 75 ألف سنة بينا وبين Proxima Centauri لـ 100 سنة. لكن النتائج وضحت إنه ممكن الوصول لـ Proxima Centauri خلال فترة بتتراوح بين 20 إلى 40 سنة!

ولو كان ده مش مبهر بالنسبة لك فخليني أبهرك بالعافية: بالسرعة دي أنت تقدر توصل لكوكب المريخ في ساعتين! لو مش مصدق، بيني وبينك الأرقام والحسابات!

المهم إن من الوقت ده وبقى التركيز كله على كيفية إنتاج وحفظ المادة المضادة. يعني فكرة إنك تروح المريخ وترجع قبل الغدا ما يخلص واقفة بس على عتبة إنتاج المادة المضادة بكميات كافية وتخزينها. بس قبل ما تنبهر أوي، خليني أقولك إن هو ده الجزء المرعب من الموضوع!



💸 عقبة الإنتاجية وتكلفتها

بصرف النظر عن فسحة المريخ، إحنا بنحمد ربنا إن من أهم عقبات المشروع ده هو ندرة المادة المضادة. فالعلماء محتاجينها بـالأطنان وكمان بسعر مناسب، والكلام ده في الوقت الحالي مستحيل:

  1. صعوبة الإنتاج: إنتاج المادة المضادة صعب جدًا ومحتاج تقنيات غاية في الصعوبة. إحنا لحد النهارده بعاد جدًا جدًا جدًا عن إنتاج مجرد جرام واحد من المادة المضادة. ده أنا كمان مش هقولك إننا لسه بعيد عن إنتاج نص ولا ربع ولا عُشر جرام، ده إحنا بعيد جدًا جدًا عن إنتاج جزء من ألف من الجرام. إحنا حالياً كل الموجود عندنا بيقدر بـالنانوجرام! المصادر بتقول موجود من 10 إلى 18 نانوجرام. خلي بالك، النانوجرام يعني جزء من المليار من الجرام.

  2. التكلفة الرهيبة: المشكلة مش بس صعوبة تقنية الإنتاج، ده كمان في مشكلة أكبر في التكلفة الرهيبة. تكلفة الإنتاج خرافية فوق ما تتصور. فتكلفة إنتاج جرام واحد من المادة المضادة هي كوادريليون دولار، يعني مليون مليار دولار! يعني أكبر من الميزانية السنوية للعالم كله 10 مرات! الرقم ده هو تمن جرام واحد من المادة المضادة، وأنا بأقولك إنهم محتاجين أطنان!

يعني دي تاني مشكلة ملهاش حل في المستقبل القريب إن شاء الله! بس صدقني، المشكلتين دول يهونوا جدًا قدام المشكلة التالتة!



⚠️ عقبة التخزين (قمقم المارد)

المشكلة التالتة أو تقدر تقول المصيبة المرعبة هي التخزين. المادة المضادة اللي هيتم إنتاجها بالأطنان دي عبارة عن فيلم رعب عن نهاية العالم.

لأن زي ما قلنا إن المادة المضادة والمادة بينجذبوا فورًا لبعض وبتحصل الإبادة. فلو لمس جسيم مضاد واحد أي ذرة من أي مادة عادية، بما فيها حاوية التخزين، التفاعل هيشتغل والكمية كلها تنفجر. هو صحيح أنا قلتلك إن سعر الجرام هو كوادريليون دولار وهمه محتاجين أطنان، بس برضه كلامك مش هيكون مقنع لو قلتلي مش مهم الفلوس! المشكلة إن:

  • الفلوس هتروح!

  • والمعمل هيروح!

  • والدولة اللي فيها المعمل هتروح!

  • وكوكب الأرض كله هيروح!

أنا قلتلك إن الجرام واحد من المادة المضادة بينتج حوالي 180 تريليون جول من الطاقة. بس لو الرقم ده ما وصّلكش حقيقة الموقف، فخليني أقولك المثال الأشهر المتكرر. ركّز أنت بس في الأرقام عشان تقدر تستوعب الرعب!

القنبلة بتاعة هيروشيما اتحوّل فيها جزء من المادة نسبته 0.7 جرام لطاقة. واخد بالك من الرقم؟ يعني اللي اتحوّل من مادة لطاقة ما كمّلش حتى الـ 1%. موضوع تفاعل المادة المضادة مع المادة بقى بتتحول المادة كلها، يعني الـ 100%، لطاقة! هل تقدر تتخيل نتيجة تحويل أطنان من المادة لطاقة في عملية زي دي؟

الموضوع فعلاً فوق التخيل، وحتى كلمة مرعب مش بتعبّر بدقة عن حجم الخطورة. وعشان كده العلماء بيعتبروا إن أي مشروع لإنتاج المادة المضادة مشروع الـ 3 فائقات:

  1. فائق الخطورة.

  2. فائق السرية.

  3. فائق التأمين.

وهنا ما يتبقاش كلام نقوله إلا إن المادة المضادة دي عبارة عن مارد متوحش ومحبوس في قمقم. والمصيبة إن بعض المجانين مستمرين في محاولة تحريره! صحيح إن الموضوع صعب وما زال في البدايات رغم السنين الطويلة من الشغل، لكن الموضوع بالتأكيد تخطى فكرة الخيال العلمي.

عمومًا ربنا يستر وما يلاقوش الحل لتحرير المارد وتغور المحركات الخارقة!

شارك

Newsletter Updates

Enter your email address below and subscribe to our newsletter

0 0 الأصوات
تقييم المادة
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x